وإذا كان الإِمَامُ مُسَافِرًا (١) قَصَرَ وإذا سَلَّمَ قَالَ: يا أهل مَكَّةَ وَمَنْ سَفَرهُ قَصيرٌ أتمُّوا فإنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ وَيُصَلي السُّنَنَ الرَّاتِبَةَ كَمَا يُصَليها غيرُه مِمَّنْ يَجْمَعُ بين الصَّلاَتَين كما سَبَقَ بيانُهُ في أوَّلِ الكِتَابِ فَيُصلي أولًا سُنَّة الظهرِ التي قَبْلَهَا ثُم يُصَلي الظهْرَ ثُم العَصْرَ ثُمّ سُنَّةَ الظهْرِ التي بعدها ثم سنة العَصرِ ولا يَتَنَفلونَ بعدَ الصَّلاَتَيْنِ بِغَيْرِ السُّنَّةِ الرَّاتبةِ بل يبادُرونَ إلى تَعْجيلِ الوُقُوفِ، نصَ عليه الشَّافعي رَحِمهُ الله تعالى وهُوَ ظاهرٌ، ولو انفردَ بَعْضُهم بالجمع بعرَفَةَ أو المزدلفَةِ أو صلَّى إحْدى الصَّلاَتَيْنِ مع الإِمامِ والأُخْرَى وَحْدَهُ أو صَلى كُل واحِدَة في وَقْتِهَا جاز (٢) لكن السُّنَّة ما سَبَقَ.
ولو وافَقَ يَومُ عَرَفَةَ يومَ جمعة لم يصل الجمعة لأنّ مِنْ شروطِ الجمعةِ أنْ تكُونَ في دار الإِقامةِ وأنْ يصليهَا جَماعةٌ يسْتوطنُون ذلكَ الموضِعَ (٣) فَإذا فَرغُوا مِنَ الصَّلاَةِ سَارُوا إلَى المَوْقِف وعرفَاتٌ كُلُّها موقفٌ فَفِي أي موضع وقف منهَا أجْزأهُ لكن أفضلُها موقفُ رسول الله ﷺ وهُوَ عِنْدَ الصَّخراتِ الكِبَارِ الْمفترشَةِ في أسْفَلِ جبلِ الرحمةِ وهُوَ الجبلُ الَّذي بوسطِ عرفاتٍ ويقال له
(١) أي سفر قصر، وإلا فينبغي له أن يستنيب لئلا يشق على المسافرين بتفويتهم السنة في حقهم من القصر والجمع.
(٢) قد تقدم الكلام على هذا واختلاف العلماء فيه قريبًا.
(٣) هذا مذهب الشافعي ﵀. قال العلامة ابن رشد المالكي ﵀ في بدايته: اختلف العلماء في وجوب الجمعة بعرفة ومنى، فقال مالك ﵀: لا تجب الجمعة بعرفة ولا بمنى أيام الحج لا لأهل مكة ولا لغيرهم إلا أن يكون الإمام من أهل عرفة، وقال الشافعي مثل ذلك إلا أنه اشترط في وجوب الجمعة أن يكون هناك من أهل عرفة أربعون رجلًا على مذهبه في اشتراط هذا العدد في الجمعة. وقال أبو حنيفة ﵀: إذا كان أمير الحج ممن لا يقصر الصلاة بمنى ولا بعرفة صلى بهم فيها الجمعة إذا صادفها. وقال أحمد ﵀: إذا كان والي مكة يجمع بهم وبه قال أبو ثور. اهـ.