209

Akhbār al-zamān wa man abādahu al-ḥadathān wa ʿajāʾib al-buldān wa al-ghāmir biʾl-māʾ wa al-ʿimrān

أخبار الزمان و من أباده الحدثان وعجائب البلدان والغامر بالماء والعمران

وأخبروهم أنهم لم يدخلوا إلى ضياع الغرب، فصاروا نحوهم بأهليهم ومواشيهم وجميع أموالهم، فأقاموا مدة يطلبون الطريق فما وجدوه، ولا عرفوه، ولا وقفوا له على خبر، ولا تأتى لهم لوصول إليهم، فرجعوا آيسين على ما فاتهم من ذلك الموضع. وحكي أيضا عن آخرين انهم ضلوا في طريق الغرب، فوقعوا إلى مدينة كثيرة الماء والشجر والناس والمواشي والنخل والزرع، فأضافوهم وأكلوا عندهم وأباتوهم في دار فيها طاحونة يعمل فيها الخمر، فشربوا معهم حتى سكروا وناموا، فلما انتبهوا عند طلوع الشمس وجدوا أنفسهم في مدينة خراب ليس فيها أنيس ولا عمارة، فارتاعوا وخرجوا على وجوههم كالهاربين، وساروا يومهم على غير سمت حتى قرب المساء، فظهرت لهم مدينة أكبر من الاولى، وأعمر وأكثر أهلا ودوابا ونخلا وشجرا وزرعا ومواشي، فأنسوا بها، ونزلوا عندهم فأخبروهم بخبر المدينة الاولى.

فجعلوا يعجبون من ذلك ويضحكون منهم، وإذا لبعض أهل المدينة وليمة فانطلقوا بهم إليها فأطعموهم بها، وسقوهم وغنوهم بأصناف الملاهي، وسألوهم عن أخبارهم، فأخبروهم أنهم ضلوا عن الطريق في بعض هذه الصحاري، فقالوا لهم الطريق بين أيديكم واضح، ولا يمكن أن تغلطوا فيه فان أحببتم المسير وجهنا معكم، من يوقفكم على سمت الطريق الكبير الذي يؤديكم إلى مكانكم، وإن أحببتم أن تقيموا عندنا، أرفدناكم وزوجناكم عندنا، وكنتم أصهارنا وإخواننا، فسروا بذلك من قولهم.

فأجمع بعضهم على المقام معهم، وأجمع أكثر من كان منهم له أهل وولد على أن يأخذ أهله وولده فيسير نحوهم قالوا فبتنا معهم خير مبيت، ثم نمنا فلما كان في الغد انتبهنا فوجدنا أنفسنا في مدينة عظيمة خراب قد تشعث بعض حصونها، وليس بها أحد من الناس إلا ان حولها نخلا كثيرا قد تساقط ثمرها، وتكدس حولها.

فلحقنا لذلك من الخوف والارتياع والوحشة ما كاد يتلفنا.

Page 212