265

============================================================

ف لم يكن يبرحها ولا يدعه أبوه ينصرف، ولا يمكنه أن يتجاوز دكانه . فاشتد على ابي نواس ولم يدر كيف يحتال فى آمره ، فعمد الى جبة صوف قصيرة فلبسها وسروال قصير، ونعل رقيق، وتزيا بزى الزهاد ، وحلق شاربه ، وأخذ شعره، وسرح لحيته ، وأخذ بيده دقترا ومحبرة، ثم جاء يمشي بخشوع وتؤدة حتى سلم على

الصيرفي، وقعد على دكانه فيما بين العصر والمغرب، واخرج دينارا ودفعه اليه، و قال له : اعطنى به دراهم، فراى الصيرفى فيه سيماء حسنة ، ودثارا ، وزى القراء، فاعظمه ، ووزن له بقيمة الدينار دراهم فدفعها اليه، فآخذ ما آعطاه ولم يسال عن السعر ولا ما كسبه ، وأقبل يسأله عن بغداد وعن سيرة السلطان بها ، ومن يعرف من المحدثين ، كأنه رجل غريب، وجعل كلما مر مسكين تصدق عليه بالنصف ، والدرهم ، والقطعة . فعظم فى عين الصيرفى . فلما كان المغرب ، قال أبو نواس فى حديثه للصيرفى : ان لى قرابة بغرب الكناس ، وعليه أنزل، والطريق بعيدة جداء فقال له الصيرفي : فلا تتجشم بعد الطريق فى هذا الوقت الضيق، ويته عندى اليلة ، فاذا أصبحتمضيت مصاحبا السلامة . فشكره وقال : ما أكره ذلك . وكان لصيرفي غرفة على دكانه فأصعده اليها ، وحانت صلاة المغرب فصف آبو نواس قدميه وأقبل على الصلاة، فجاءه الصيرفى بطعام طيب ، وسأله أن يتحرم به ، فانفتل من صلاته وتناول منه شيئا يسيرا، وقال : هذا افطارى ، ولا آفطر الامن اليل الى الليل ، وجاء بنبيذ فتنافر منه أبو نواس وقال : لست من أهله ولاممن يستعمله ، ولا ذقته الا فيأوثل العمروالحداثة، وحملنى على ذلك حينئذ غرة الشباب اذ كان مسكرا ، والسكر حامل على كل معصية ، مذموم عند أهل كل ملة . فأتاه بحلوى فا كل منها، وقعد النصرانى وابنه وأخوه يشربون ، وأبو نواس يحدثهم باحاديث الزهاد والنساك والقراء والصالحين ، والسواح على عهد عيسى عليه الصلاة والسلام، حتى ذهب الليل وكاد الصبح أن يسفر . وعمل النبيذ فيهم ، (32)

Page 265