309

فلأجل ما اشتملت عليه الجوانح من حبكم الراسخ، والاغتباط بفضلكم الشامخ، لم تزل الهمة تنازعني، بتقديم مكتوب إليكم، إعلاما بالمحبة، وإعلانا لأكيد الرغبة، ولم تزل عوادي الأيام تصد عن الإقدام، وغير خاف على الجناب العالي ، ما بين اليمن السعيد وحضرموت من الروابط الجامعة، فأنها من متمماته، وبها من آل الحسين عدد جم، لهم فيها نفوذ لا يستهان به، وقد كانت فيما مضى خاضعة لنير أسلافكم بمباشرة ثم بعد بالوسائط، ولم تنقطع المكاتبات والمواصلات إلا منذ عشرات من السنين معدودة، وحضرموت وإن كانت الآن بلدا قفرا، فإنها لم تزل قابلة للعمارة، وفيها من المعادن ما لم تمسه يد إنس ولا جان، وبها شيء كثير من ثمين آثار القرون الأولى، وتوجد طوائف من أهلها نزحت إلى الهند والسند وجاوة وغيرها، فجمعوا ثروة هائلة، وحصل لهم صيت وشهرة ونفوذ لدى العالم المتمدن، وقد علمتم ما منيت به بعض شطوط اليمن من إيطاليا خذلها الله، وذلك لخلوها من السلاح والقلاع ومهمات الدفاع، وسبب هذا عدم تكاتف العرب واختلافهم، واتكالهم على غيرهم، وإهلاكهم أنفسهم بأيديهم، فعسى أن يكون فيما جرى عبرة، فيجمعهم الله على يدكم، وتحفظ البقية الباقية بكم، فتكونوا معقلا للإسلام وأهله، وشجى في حلق عدوه.

أما أمراء العشائر بحضرموت المتغلبون على من بتلك الجهة ففيهم الآن قابليه لسماع النصح، وكلهم ممن له عليهم دالة ونفوذ، إلا أنه نظرا لتمكن الأجانب وربطهم بعض أولئك بمكاتبات اضطروا إليها، يحتاج الأمر إلى سياسة دقيقة تدار دفتها بحذق حتى تستوي السفينة على الجودي، ويشب عمرو عن الطوق.

وقد قمنا بتوفيق الله وعونه، مع إخواننا بدعوة إلى الخير منذ مدة طويلة، وكتبنا فيما غمط في حضرموت، وفي أكثر البلاد التي ينزحون إليها، وهم إن شاء الله رجال المستقبل، ومحل الرجا، وقد كتب كاتب هذه السطور في ذلك السبيل رسالة تسمى النصائح الكافية، وحصل بها نفع كثير، وقد قضت سنة الله بأنه ما قام داع إلى هدى إلا قام ضده دعاة الضلال، وقد كتب بعض المخذولين من بني عمنا ردا عليها، فانبرى له أعلم علماء شرقنا بلا منازع، شيخنا العلامة السيد أبو بكر بن شهاب، فرد عليه بكتاب وجوب الحمية، وقد كثر نفعه وعم.

Page 322