Aʾimma al-Yaman al-iḥtiyāṭ
أئمة اليمن الاحتياط
وأما ما ذكرتموه (أن الملل الكفرية كما عرفنا قد فوقت سهام انتقامها على الدين القويم وفعلت بالمسلمين أقبح الأفاعيل) إلى آخر ما شرحتموه، فلا يخافكم أن هذه الأمة قد أخذت هذه الأزمان الطويلة، وهي في اطمئنان بال، وسكون الأحوال، لما كان سلاطين آل عثمان قائمين بحماية الشرع الشريف، ولا مظهر لهم إلا أنهم نواب الأمة الإسلامية في حقوق دينهم الحنيف، ولا شك أن أهل الملل المختلفة، لا يتجاسرون على هدم هذه السياسة، لأنها تستدعي الثورة من المسلمين وغيرهم في جميع الأقطار الشاسعة، ولا أضر على الأجانب من هذه الحرب الدينية، وبها كان يتهددهم السلطان السابق عند المشاكل الدولية، فيجنحون إلى الموافقة، فلهذا عشنا وعشتم طول النشأة لم نسمع في الخارج بمشاقه؛ بل كان في آخر المدة الأخيرة ما رفع الدولة على مكان ، حيث ظفرت باليونان، واحتلت عاصمة ملكهم بقوة عظيم القدر والشأن، فلما جاءت هذه النشأة الأخيرة من الأتراك تظاهروا بالحرية، ليرضوا أهل المملل الأخرى وإن الاختصاص بدين الإسلام هم منه على فكاك ولهذا سموا أنفسهم بالجامعة العثمانية، ليوحدوا الملل هربا من الجامعة الإسلامية، وقد أرسل جنابكم إلينا تلك الرسالة المؤلفة لشيخ الإسلام سرى زاده محمد صاحب، ونبهتم عافاكم الله على ما فيها من الإلحاد وجزاكم الله خيرا بتلكم الإفادة، فيحنئذ حدث أمران : ضج أهل الإسلام من رعية الأتراك عنهم، وطمع أهل الملل في الأتراك لنفور الجمعية الإسلامية منهم، فأخذوا في انتهاب البلاد منهم فاستلقت ولاية البلغار بعد أن كان ملكهم في زمن السلطان السابق برتبة ياوران، وبيعت ولايتا البوسنة والهرسك علنا، وطرابلس خفية وصدق لفرنسا تبعية تونس، وحينئذ قامت الأجانب يغار بعضهم من بعض فمدوا أيديهم إلى احتلال البلاد العثمانية لهذه الأسباب، ولغير العثمانية بطريق أولى كتبريز وفاس، كما ذكرتم مع أن فاس هذه من أعوام قريبة سعى السلطان السابق في استقلالها بواسطة ملك ألمانيا لتحفظ من غوائل الأجانب، فتغيرت في هذه الأيام السياسة الإسلامية من أهلها، فكان ما كان في مسافة ثلاث سنوات، وهذه الرابعة أقبلت فيها تتداعى الشدائد من كل الجهات، وكل فريق يمد يدهس إلى ما شاء من النواحي المختلفات وقد عرفناكم بمنشأ هذه الأحوال ،لتعرفوا منهم السبب في محاق البلاد الإسلامية والاضمحلال فهم أحق بالملامة والتقريع والتوبيخ وسلب الكرامة، ويا ليت شعري ما المراد منا في الرابطة التي أشرتم إليها فإن كان القصد التسكين المجرد إلى أن توافق معهم الأمور، ثم يثبوا كأن لم يكن بيننا وبينهم صداقة كما كان بالعام الماضي، إذ قدمنا لهم عشرة آلاف عود للسكك، وأمنا لهم الطريق، وتعهدنا لهم بالإصلاح حتى صاروا دولة حقيقية يروحون ويغدون بكل شرف، فما كان منهم إلا تدبير الحلية في الهجوم للقبض علينا فنجانا الله وآل الأمر إلى ما هم فيه من الإهانة والحيرة ولا حول ولا قوة إلا بالله. أو لا توافق الأمور كما هو المنظر، إن لم يستعطفوا خواطر المؤمنين واشتدت الحال أن آل إلى سقوط البلاد بأيدي الغير يسلمها الأتراك لهم ولا يلزمنا إلا قبول ما حلوه وأبرموه فما في هذه إلا إلى إقامة الحجة علينا من الله وما المعذرة في ذلك المقام الإلهي، وإن كان القصد أن نكون نحن وهم شركاء في الرأي، حتى نعلم ما يراد بنا ونؤدي ما أوجب علينا ربنا ولا نكون ألعوبة للأتراك يسلموننا إلى الغير متى شاءوا والعياذ بوجه الله، بل نكون على أمن من ذلك كله،فأهلا بالوفاق وسهلا
وفي الحقيقة الحقير إن هو إلا رجل قام بتأييد الله في هذه البرية الفقراء للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الشريعة التي لا حرز لنا دونها ولا عصمة أن كنا ممن يحتفلون بتعاليمها الإلهية ويخدمونها.
فقامت هذه النشأة الجديدة من الأتراك وحشدوا العساكر المصحوبة بالمدمرات، والسيوف البواتر، وشاع وذاع أنه لما صدرت إرادة سلطانية وإشارة من لدن الجمعية باستئصالنا، ولا يعلمون أن الأمر بيد الله، وهو أكرم الأكرمين، لا يضيع من من عليه من بريته، وكساه من الإيمان بحلل كرامته، بل ينصره وينتقم ممن عاداه، كما وعدنا في كتابه العزيز وعدا حقا {ومن أصدق من الله قيلا} فقال عز وجل: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} وقال عز وجل: {فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين}.
وإني والله عند هذه الآيات، أعلم من أين أخذت هذه الدولة، فتداعت عليها الأهوال من كل جانب، جملة واحدة على غير أسلوب معروف، ولا تقدير في الحسبان مألوف {وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له} فأجاءها القهر الإلهي بغتة، وانقطعت في مدافعته كل حيلة، فسبحان القائل: {وما لهم من دونه من وال}.
Page 310