254

الحمد لله الذي قطع دابر الخلاف بالوفاق، والحمد لله الذي أبدل ذلك التفرق بجمع الكلمة والاتفاق، والحمد لله الذي ألف بين القلوب بعد الشتات، والحمد لله الذي أذهب الفساد بصلاح النيات، والحمد لله الذي أعاض القلوب من كدر الوحشة بصفو التصافي والوداد، والحمد لله الذي طهرها عن درن الأحقاد. ونشهد أن لا إله إلى الله وحده لا شريك له الذي ألف بين القلوب وأصلح ذات البين راحة كل قلب وقرة كل عين . ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، الذي جمع الله به شمل الأمم، وألف ببعثته بين قلوب مختلفة وسلك بهم الطريق الأقوم، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الذين بهم صلاح العباد، وبمحبتهم ترجى النجاة في يوم المعاد، وعلى أصحابه القائمين بطاعاته بالجد والاجتهاد.

أما بعد أيها الناس، فإن ربنا جل جلاله، قد من علينا من النعم بأسناها، ووهب لنا من أياديه أشرفها وأشفاها، وخولنا من عطاياه وهباته أرفعها وأعلاها. فلنذكر هذه النعمة، إذ كانت فأصبحنا بنعمته إخوانا، وأبدلنا من المخافة أمنا وإيمانا. فاذكروا نعمة الله إذ كنتم متحاربين فأبدلكم سلما وإحسانا. نعم يقصر عن عدها الحساب، نعم تفضل بها الكريم الوهاب. كم صرف عنا بهذا من النقم، وكم أفرج عنا بهذا الالتئام من الغم، كم من دم كان مسفوكا، وكم من حجاب كان مصونا فصار متهوكا، وكم من طريق انقطع وكان مسلوكا، وكم هالك بأسياف الفتن صار منهوكا. واعلموا أن ما حل بنا من الشرور بسبب ما كسبت أيدينا من الذنوب والعيوب، التي منها عدم القيام بواجب النصيحة التي قام بها الإسلام، فإن الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فإن الله تعالى يقول {وتعاونوا على البر والتقوى} فما أحقنا أن نكون كالبنان، أو كالبنيان، وكم شملت السنة والتنزيل من مواعظ لم يبق لواعظ معها كثير مقال ولا قليل.

Page 265