268

لبنى أمية على بنى هاشم بما كان لهم من قوة ومكر ، وما كان في أيديهم من مال وسلطان وقهر . وثم ناحية أخرى كان لها حظ كبير - في العبث بالرواية - وكان عمل أصحابها دينيتا خفيتا ، وغايتها التى تسعى إليها أن تفسد عقائد الدين النقية ، بأن تدخل فيها ما ليس منها وتدس إليها من التعاليم الزائفة ما يشوه جمالها ، أولئك هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين أظهروا الاسلام خدعة ، ثم ألقوا ما شاء لهم الكيد والهوى من الاسرائيليات والمسيحيات والاكاذيب في دين العرب الجديد - كما مر بك - ومن هذا ، ومن أسباب كثيرة بيناها من قبل ، أخذ الوضع والكذب يفشوان بين الناس ، واستبحرت الرواية عن رسول الله حتى ركب الناس في ذلك - كما قال ابن عباس - الصعبة والذلول . وإذا كان القرآن وهو الذى جعل له الرسول كتابا يقيدونه ساعة الوحى وكتب مرة أخرى في عهد أبى بكر ، وكان يحفظه كثير من الصحابة ، وقضى الله بحفظه في قوله تعالى : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " ، قد اختلف المسلمون في قراءته حتى كفر بعضهم بعضا ، ووقع هذا الاختلاف قبل انقضاء حوالى عشر سنين على موت الرسول صلوات الله عليه حتى اضطر عثمان في سنة 25 ه إلى كتابة مصاحف تحمل الصورة الصحيحة منه ، ويبعث بها إلى الامصار ، ويأمر بما سواها من المصاحف التى تحمل القرآن المختلف في قراءته أن يحرق - إذا كان أمر القرآن هكذا ، فترى ماذا يكون أمر الحديث وهو لم يكتب في عهد النبي ، ولا في عهد أبى بكر ولا في عهد عثمان وظل أمره مطلقا من قيد التدوين تكتنفه تلك الاهواء المختلفة ، وتترامى به تيارات الاغراض المتباينة قرنا وبعض قرن ؟ ؟ ! ! من أجل ذلك كان الوصول إلى معرفة الاحاديث الصحيحة شاقا ، والبحث عن معرفة حقيقة ضمائر الرواة أشق . وإذا علم ذلك كله بدا - ولا ريب - أن تأخير التدوين كان له ضرر بالغ ، إذ كان سببا في اتساع آفاق الرواية ، واختلاط الصحيح بالموضوع ، وتعذر التمييز بينهما على مر الدهور .

--- [ 272 ]

Page 271