ثانيًا: موقف النصارى
لقد ضلت أمة النصارى في هذا الباب ضلالًا بعيدًا، ولعل أمة من الأمم لم تضل في دينها وربها وإلهها كما ضل الذين قالوا إنا نصارى. ولا عجب فالضلالة صفتهم المميزة لهم، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ في قوله: "اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضلال" ١. قال ذلك في تفسير قول الله ﷿: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ٢.
ولعل من أعظم ضلالهم في باب توحيد الله وصفاته أنهم:
١- شبهوا المخلوق بالخالق:
وأضفوا عليه من الصفات والخصائص ما لا يليق إلا بالله ﷿. ولا يصلح إلا له سبحانه. فوصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به، فقالوا: "إنه يخلق، ويرزق، ويغفر، ويرحم، ويتوب على الخلق وثيب ويعاقب"٣ إلى غير ذلك من خصائص الربوبية، وصفات الألوهية التي لا تكون إلا الله سبحانه.
وذلك أن هذه الأمة الضالة، جعلت المسيح ﵇ هو الله، كما ذكر الله ﷿ قولهم هذا وأكفرهم به فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ٤.
وتارة جعلوه ابنًا لله سبحانه وتعالى عما يقول المبطلون، وعن قولهم هذا يقول الحق ﵎: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٥.
١ ت: كتاب التفسير، باب ومن سورة الفاتحة ٥/ ٢٠٤، ح ٢٩٥٤، من حديث عدي بن حاتم ﵁.
٢ سورة الفاتحة: آية ٧.
٣ ابن تيمية، الوصية الكبرى، "ط. الأولى ١٤٠٧ هـ. بتحقيق أبي عبد الله محمد بن حمد الحمود، نشر: مكتبة ابن الجوزي"، ص ١٤.
٤ سورة المائدة: آية ١٧.
٥ سورة التوبة: آية ٣٠.