من ليس له حكم فيهم، وأخذهم بالشريعة الأدبية لا العملية؛ إذ كان "﵇" كالحكمة الطائفة ليست لكل قلب ولا لكل عقل، ولكنها لمن أعد لها؛ وشريعته أكثرها في التعبير وأقلها في العمل، ولم تجئ بالقوة العاملة فلم يكن بد من أن تضع الموعظة في مكان السيف، وأن تكون قائمة على النهي أكثر مما هي قائمة على الأمر، وأن تكون كشمس الشتاء الجميلة: لا تغلي بها الأرض، وإنما عملها أن تمهد هذه الأرض لفصل آخر.
أما نبينا ﷺ فلم يجب المستهزئين، إذ كانت القوة الكامنة في بلاد العرب كلها كامنة فيه، وكان صدره العظيم يحمل للدنيا كلمة جديدة لا تقبل الدنيا أن تعامله عليها إلا بطريقتها الحربية؛ فلم يرد رد الشاعر الذي يريد من الكلمة معناها البليغ، ولكنه سكت سكوت المشترع الذي لا يريد من الكلمة إلا عملها حين يتكلم؛ وكان في سكوته كلام كثير في فلسفة الإرادة والحرية والتطور، وأن لا بد أن يتحول القوم، وأن لا بد أن يتفطر هذا الشجر الأجرد عن ورق جديد أخضر ينمو بالحياة.
لم يتسخط ولم يقل شيئا، وكان كالصانع الذي لا يرد على خطأ الآلة بسخط ولا يأس، بل بإرسال يده في إصلاحها.
قالوا: ورأى ابنا ربيعة، عتبة وشيبة ما لقي النبي ﷺ من السفهاء، فتحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه، ففعل عداس ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ فلما وضع يده قال: "بسم الله" ثم أكل؛ فنظر عداس إلى وجهه ثم قال: -والله- إن هذا لكلام ما يقوله أهل هذه البلدة.
فقال له رسول الله ﷺ: "ومن أي البلاد أنت يا عداس وما دينك؟ ".
قال: أنا نصراني وأنا رجل من أهل نينوى. فقال له رسول الله ﷺ: "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ ". قال: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال ﷺ "ذاك أخي، كان نبيا وأنا نبي".
فأكب عداس على رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه ورجليه.
يا عجبا لرموز القدر في هذه القصة!