آمن؟ فأشارت إلى السماء وهي الجهة المقصودة عند الموحدين، كما ذكرنا، وقيل: إنما وجه السؤال بـ "أين" ههنا سؤال عما تعتقده من جلال الباري وعظمته وإشارتها إلى السماء إخبار عن جلالته تعالى في نفسها، والسماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين، فكما لم يدل استقبال الكعبة على أن الله جلَّت قدرته فيها لم يدل التوجه إلى السماء والإشارة على أن الله سبحانه حالٌّ فيها" (^١).
فالقرطبي والمازري نفيا علو الله تعالى، وهو في الحديث نصٌّ صريح لا يقبل التأويل، والعجب من كلام القرطبي هذا؛ إذ مضمونه: أن إجابة الجارية: باطل وضلال، وكيف يرضى الرسول ﷺ بإقرارها على هذا الباطل هي ومن حضر أو نقل له هذا الحديث إلى قيام الساعة، وهو ﵊ الذي بُعث لدفع الباطل وإقرار الحق ونشره وتصحيح تصورات العباد في ربهم تعالى.
مع ما كان عليه ﷺ من إنكار المنكر وعدم التواني في ذلك، ولذا عد العلماء إقراره ﷺ وسكوته من التشريع، ولكن الذي دفع القرطبي لهذا القول - المخالف للقواعد والأصول والذي يُعرَفُ ضلاله ببداهة العقول - التزامه بالقواعد الفاسدة التي رتبها المتكلمون لنفي صفات الله تعالى كما صرح بذلك في كثير من المواضع، ثم قوله هنا مخالف لما قرره عند رده على المتكلمين في قولهم بأن أول واجب على العبد النظر، حيث بين فساد قولهم ولازمه تكفير عامة المسلمين؛ لأنهم ليس عندهم أهلية النظر التي قصرها المتكلمون على أصحاب العقل والفهم. وهذا ما وقع فيه هنا إذ بين أن قول الجارية ضلال وأن الحق بضده، ولكن تقصر عامة العقول
(^١) المعلم (١/ ٢٧٥).