Al-Ifhām fī sharḥ ʿUmdat al-Aḥkām
الإفهام في شرح عمدة الأحكام
Editor
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
Publisher
توزيع مؤسسة الجريسي
Regions
•Saudi Arabia
الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (١)، وفي اللفظ الآخر: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، أوْشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (٢). فكله من أعمال الجاهلية: ضرب الخدود جزعًا عند المصيبة، شق الثوب كذلك، حلق الشعر كذلك أو نتفه، الدعاء بدعوى الجاهلية من الكلام الرديء: وا ناصراه! وا كاسياه! وا عضداه، وافاجعة قلباه، وا وا ...،
كل هذا من دعاء الجاهلية وأعمالهم، فيجب على المؤمن إذا وقعت عليه الحادثة، وهكذا المؤمنة الصبر والاحتساب وعدم الجزع، لا يشق ثوبًا، ولا يلطم خدًا، ولا ينتف شعرًا، ولا يحلقه، ولا [يتكلم] بالكلام السيئ كلام الجاهلية، ولكن يصبر ويحتسب، ولا بأس بدمع العين، دمع العين لا يضر، وحزن القلب لا يضر، إنما المنكر هو رفع الصوت بالنياحة، أو شق الثياب، أو لطم الخدود، أو نتف الشعر وحلقه، هذا هو المنكر الذي هو من أعمال الجاهلية، ولهذا لما مات إبراهيم ابن النبي ﵊ قال ﵊: «الْعَيْن تَدْمَعُ، وَالْقَلْب يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى الرَبّ، وَإِنَّا لِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» (٣)،
فدمع العين لا يضر وحده، فلما حضر وفاة ابن لإحدى
(١) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب ليس منا من ضرب الخدود، برقم ١٢٩٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية، برقم ١٠٣.
(٢) رواه مسلم، برقم ١٠٣، وتقدم تخريجه في الحديث السابق.
(٣) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي ﷺ: (إنا بك لمحزونون)، برقم ١٣٠٣، ولفظه: عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَيْفٍ القَيْنِ، وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ ﵇، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ، فَقَبَّلَهُ، وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ»، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ ﷺ: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» .. ومسلم بنحوه، كتاب الفضائل، باب رحمته ﷺ الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك، برقم ٢٣١٥، ولفظه: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ» ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أُمِّ سَيْفٍ، امْرَأَةِ قَيْنٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو سَيْفٍ، فَانْطَلَقَ يَاتِيهِ وَاتَّبَعْتُهُ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى أَبِي سَيْفٍ وَهُوَ يَنْفُخُ بِكِيرِهِ، قَدِ امْتَلَأَ الْبَيْتُ دُخَانًا، فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَيْفٍ أَمْسِكْ، جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَمْسَكَ فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّبِيِّ، فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، فَقَالَ أَنَسٌ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ وَهُوَ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبَّنَا، وَاللَّهِ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ».
1 / 360