الميمون»، ويقولون للمسافر: «على خير طائر وعلى الطائر الميمون»، ويقولون في الصابح: «صبَّحك الله بنعم طيرٌ».
فالشؤم عندهم من شعب الطيرة، وهو مشتقٌّ من الشَّآم اسم البلد المعروف؛ لأنَّ العرب يزعمون أنَّ بلد الشام وبيء، وأنَّ دمشق بلد وبيء، وقد كان بعض الأعراب كره امرأته، فسافر بها إلى الشام، وهي لا تعلم قصده، فلما بلغ دمشق دفعها من باب البلد، وقال:
دمشق خذيها واعلمي أن ليلة ... تمرُّ بعودي نغشها ليلة القدر
ولما جاء الإسلام أبطل وهم الطيرة، وفضح أهله وسفَّه عقولهم، ودعا الرسول ﵊، أو توعد من يعتقد الطيرة بعد بقوله: «إنَّما الطيرة على من تطير»، وباستقراء الشريعة حصل العلم القوي بأنَّ الشؤم باطل، فالترجمة الواقعة في «الموطإ» «ما يتقى من الشؤم» (ما) فيها موصولة، وقوله: «من الشؤم» بيان لـ «ما»، ومعنى «يتَّقى» يحذر من الوقوع فيه، أي: من اعتقاده، وليس المراد أنَّ بعض الأشياء يحذر منها لشؤمها؛ لأنَّ التركيب لا يساعد على ذلك؛ إذ جعل الشؤم نفس المتقي.
* * *
مالكٌ عن أبي حازم بن دينارٍ، عن سهل بن سعدٍ السَّاعديِّ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إن كان ففي الفرس، والمرأة، والمسكن». يعني الشؤم.
هذا الحديث أحسن حديث في هذا الباب، وأصحُّه وأقواه نسبةً إلى رسول الله ﷺ؛ لأن راويه توخَّى فيه لفظ النبي ﷺ بدون زيادة ولا نقص، حتَّى أنَّه لما جرى كلام الرسول ﵊ على إضمار لفظ الشؤم لأنَّه جرى الكلام عليه بحضرة الرسول ﵊ -حكى الراوي لفظه كما صدر منه، ثمَّ فسَّر معاد الضمير الواقع في الكلام النبوي، بقول الراوي: (يعني الشؤم)، فصار هذا الحديث الذي رواه سهل بن سعد ﵁، هو الحاكم على جميع ما روي في هذا الباب، ومعناه أن الشؤم غير كائن؛ لأنَّ رسول الله لا يخبر عنه بقوله: «إن كان» إلَّا وهو غير واقع،