مالك ﵀ بما يدلُّ على حرمة النذر في معصية؛ لأنَّه قال: «ما لا يجوز من النذور في معصية الله» واستدلَّ على ترجمته بإنكار النبي ﷺ على أبي إسرائيل فعله الذي دلَّ عليه قوله: «ما باله؟». ولعل سؤال رسول الله ﷺ عنه؛ لأنَّه رأى عليه مخائل التضرر. فقول مالك ﵀: «وأمره أن يترك ما كان لله معصية» يحتمل أنَّه أراد أنَّه معصية للتضرُّر، على ما ذهب إليه الباجي، وابن العربي وهو بعيد. ويحتمل أنَّ رسول الله ﷺ كان نهى عن التقرب إلى الله بتعذيب النفس ممَّا كان يفعله أهل الجاهلية؛ فكان بعضهم يحجُّ مصمتًا، وبعضهم يترك التجارة في الحجِّ، وبعضهم لا يستظلُّ بسقف. وقد نزل في بعض ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وقوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]؛ فيكون على هذا كلَّه استدلالًا منه بنص الخطاب، وقد يكون محلُّ الاستدلال أنَّ رسول الله ﷺ لما أنكر على أبي إسرائيل فعله، وأمره بأن يترك ما عدا الصيام دلَّنا على أنَّ ما ليس بقربة شرعية في ديننا لا نتقرب بنذره إلى الله؛ لأن النذر التزام قربة، ولا نتقرب إلى الله بما لم يجعله من القُرَبِ، فقد يصير ذلك النذر بعد العلم بهذا معصية؛ لأنَّه تعدٍّ لحدود الله؛ فترك النذر بالمعاصي أولى بالمنع؛ فيكون استدلالًا بظاهر الحديث في البعض، وبفحواه في البَقيَّة، وهذا الذي يساعد ما سيأتي من قول مالك في معنى حديث: «من نذر أن يعصى الله فلا يَعصه». والحاصل أنَّ ظاهر قول الإمام: «ويترك ما كان لله معصية» مؤول باتفاق جهابذة مذهبه ﵏ أجمعين.
مالك عن طلحة بن عبد الملك الأَيْلِي، عن القاسم بن محمد بن الصديق عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». قال يحيى: وسمعت مالكًا يقول: معنى قول رسول الله ﷺ: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه» أن ينذر الرجل أن يمشي إلى الشام، أو إلى مصر، أو إلى الربذة، أو ما أشبه ذلك مما ليس لله بطاعة إن كلم فلانًا، أو ما أشبه ذلك؛ فليس عليه في شيء من ذلك شيء إن هو كلمه أو حنث بما حلف عليه؛ لأنَّه ليس لله في هذه الأشياء طاعة، وإنما يوفَى