205

Al-Ṭirāz li-asrār al-balāgha wa-ʿulūm ḥaqāʾiq al-iʿjāz

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

Publisher

المكتبة العنصرية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٣ هـ

Publisher Location

بيروت

الإسلام، وإنما كنى بالبعير عن الذكر، لأن اشتداد الغلمة وعظم الشبق بمنزلة صعوبة الإبل، وشدة معالجتها، وعزة مراسها، فلهذا قرره الرسول ﷺ على تلك الكناية لما ذكرناه. ومن ذلك قوله ﷺ فى غزوة «بدر» حين رأى أهل مكة يصوبون من العقنقل يريدون لقاءه للحرب قال: «هذه مكة قد ألقت إليكم بأفلاذ كبدها يريدون أن يحادوا الله ورسوله» فكنى بقوله «أفلاذ كبدها» عن الرؤساء والأكابر، لأن الكبد من أعز أعضاء الإنسان، ويضاف إليها ضيق الإنسان وحزنه، وفرحه وغمه، وأفلاذها قطعها، فكنى بها عنهم. ومن ذلك ما يحكى عن بديل بن ورقاء الخزاعى وقد جاء إلى الرسول ﷺ فى عام الحديبية، حين نزل على الركية فى نفر من قومه من تهامة، فقال:
أتى ركب كعب بن لؤى وعامر بن لؤى، نزلوا على مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقوله «العوذ المطافيل» جعلها كناية عن النساء والصبيان، والعوذ جمع عائذ، وهى الناقة التى قوى ولدها «والمطافيل» جمع مطفل، وهى الناقة التى معها ولدها لقرب عهدها بالنتاج، ويجوز حمل هذا على حقيقته، أى الأموال الكريمة التى تكون قواما لهم فى الحرب، وعونا لهم عليها، ومن ذلك قوله ﷺ لما قال له عمر: يا رسول الله هلكت، فقال: وما أهلكت؟ فقال حولت رحلى البارحة، فقال له الرسول ﷺ أقبل وأدبر واتق الدبر، والحيضة. فكنى عمر بقوله «حولت رحلى» عن أنه أتى امرأته من جهة دبرها، فجعل تحويل الرحل كناية عن ذلك، لأن المرأة للرجل بمنزلة الناقة، يأتيها فى الركوب من أى جوانبها شاء، فهكذا حال المرأة، ومن ذلك قوله ﷺ «إياكم وخضراء الدمن» وهذا تحذير، وكنى بقوله «خضراء الدمن» عن المرأة الحسناء فى المنبت السوء، وإنما كنى بذلك عنها، لما فيه من المناسبة لأمرين، أما أولا فلأن أول عشرتها يكون حسنا موافقا، ومن بعد ذلك تعود إلى الفساد والرداءة، كزرع المزابل، فإنه يعجب أولا ثم يذبل ويجف ويزول على القرب، وأما ثانيا فلأن غضارتها ورونقها قليلة، وعن قريب وقد صارت مقحلة ذات ذبول. ومن ذلك قوله ﷺ لجابر حين سايره من مكة إلى المدينة، وقد سأله عمن نكح، هل بكرا أم ثيبا، فقال له «إذا قدمت فالكيس الكيس» كنى بالكيس عن حسن الشمائل فى الوقاع ولطيف المعاشرة عنده، والإقلال منه، ولنقتصر على هذا القدر من الكنايات ففيه كفاية وتنبيه بالأقل على الأكثر.

1 / 207