196

Al-ḥukm min al-muʿāmalāt waʾl-mawārīth waʾl-nikāḥ waʾl-aṭʿima fī āyāt al-Qurʾān al-karīm

الحكم من المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم

ولذلك نهى الله سبحانه الشهداء أن يمتنعوا عن الشهادة إذا دعوا إليها فقال: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقد اختلف العلماء هل الآية تشمل التحمل أم يقصد بها أداء الشهادة إذا دعي إليها؟
فذهب الطبري إلى أن المراد بالآية أداء الشهادة دون التحمل (^١)، وذهب غيره من العلماء إلى أن الآية تعم التحمل والأداء (^٢).
فدلّت الآية على أن من تحمل الشهادة وجب عليه أداؤها ويحرم عليه كتمانها، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [البقرة: ٢٨٣].
فالنهي في هذه الآية مع الوعيد المترتب على الكتمان يقتضي تحريم هذا الفعل (^٣).
وقد حذر السلف من كتمان الشهادة، فقد أخرج ابن جرير بسنده إلى الربيع في قوله:
﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ فلا يحل لأحد أن يكتم شهادةً هي عنده، وإن كانت على نفسه والوالدين، ومن يكتمها فقد ارتكب إثمًا عظيمًا.
عن ابن عباس ﵄ قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، لأن الله يقول: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. (^٤)
وإذا تأملنا هذا الوعيد الشديد عرفنا ما يحويه من الحِكم العظيمة مما يقِّوم المجتمع ويصلحه فمن ذلك:

(^١) وحجته في ذلك أن الشاهد لا يوصف بهذا الوصف حتى يتحمل الشهادة فإذا تحملها صح إطلاق وصف الشاهد عليه، انظر: جامع البيان (٦/ ٧٤).
(^٢) كابن عباس والحسن بن أبي الحسن وقد رجح ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/ ٥١٣)، والفخر الرازي في التفسير الكبير (٧/ ١٢٤)، وابن القيم في الطرق الحكمية (ص ٢١٧)، والشيخ العثيمين في تفسيره (٣/ ٤١٦)، وهو الراجح.
(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٤/ ٤٧٨).
(^٤) جامع البيان (٦/ ٩٩، ١٠٠).

1 / 196