156

Al-ḥukm min al-muʿāmalāt waʾl-mawārīth waʾl-nikāḥ waʾl-aṭʿima fī āyāt al-Qurʾān al-karīm

الحكم من المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم

النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ [المائدة:٩٥].
فإن الله ﷿ لما أباح لعباده الصيد حال الحل، نهاهم عن قربان الصيد وقتله حال الإحرام، وعظم ﷿ هذا النهي أشد التعظيم لمن تعمد ارتكابه.
فجعل على من تعمد قتل الصيد الجزاء فقال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، وذلك تأديب وعقوبة من الله تعالى لمن هتك حرمة الله ﷿ (^١).
ومن تعظيم هذه الحرمة: تعظيم أمر الكفارة وتغليظها، وجعل الحكم فيها لاثنين من العدول. فقال: ... ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، فجعل الكفارة جزاء المثل أو الإطعام أو الصيام، وهذه الثلاثة ثقيلة على الطبع فاثنان منها يوجبان نقص المال، وواحدة توجب إيلام البدن (^٢).
فأي هذه الثلاثة اختارها العبد كان تأديبا وردعا له على هذه المخالفة (^٣).
ومن تعظيم الله ﷿ لهذه الحرمة أنه لم يجعل الحكم بالمثلية لشخص واحد فقط، بل جعله لاثنين عدلين يتشاوران ويحكمان فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، ولذلك فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا سئل أحدهم عن الجزاء، ما كان يحكم فيها حتى يستشير رجلا آخر، وذلك لتعظيمهم أمر الله، وقد روي ذلك عن أبي بكر وعمر ﵄.

(^١) انظر: التحرير والتنوير (٧/ ٤٥).
(^٢) انظر: تفسير اللباب، ابن عادل (٧/ ٥٢٨).
(^٣) القول بالتخيير في هذه الآية هو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة والحنفية، لأن (أو) تفيد التخيير، أما القول بالترتيب فهي رواية ثانية عن الإمام أحمد (انظر: المغني ٥/ ٤١٥)، والراجح هو قول الجمهور. (انظر: أضواء البيان ١/ ٣٣٤).

1 / 156