بذلك، وهو قولُ بعضِ أهل التَّفسير.
والثاني: أن لفظَ (القَوْل) وَرَدَ في الآية مرَّتَيْن، مَرَّةً مقيّدًا بالنفسِ، والثانية مطلقًا، ولا ريْبَ أنَّ المُطْلَقَ هو تَناجيهم بالإِثمِ والعُدوانِ، ومعْصيةِ الرَّسول ﷺ، وتحيَّتُهم له بغَيْر ما حَيَّاه به الله، وكلّ ذلك أقوالٌ، هي ألفاظٌ ومَعاني، فأطلقَه للعلْم به، وقيَّدَ القوْلَ الأوَّلَ بالنَّفْس ليكونَ خاصًّا بالمعنى دونَ اللفظِ، هذا على تَسْليم كونهِ حديثَ نفْس.
فلو كانَ مطلقُ القولِ إنَّما يُرادُ به حديثَ النَّفس لم تكُن هناك حاجَةٌ إلى تقييدِه بها، ولَكانَ التناجي والتَّحيَّةُ مَعانيَ مجرَّدةً، تُحَدِّث القلوبُ بعضُها بعضًا بها من غير نُطْقٍ ولا لَفْظٍ، وهذا لا يتصوَّرُه عاقلٌ.
ومثْلُ هذه الآية احتجاجُهم بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف:٢٠٥] فهذا هو الذِّكْرُ باللسان سِرًّا، فلَم يَخْرُجْ عن كونهِ أَلفاظًا أومعانيَ مجتمعةً، ألا ترى قولَه: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾؟ والذي يَلي مرتبةَ الجَهر الذي هو الذّكرُ برفْع الصَّوْت، مرتبةُ الإِسْرار التي هي الذِّكْرُ بخَفْضِ الصَّوْت، وكلُّ ذلك قائمٌ باللسانِ والقَلْب.
وأقولُ للأشعرية: بماذا تُفسِّرونَ إذًا قولَ أبي هُرَيْرَة لمنْ سألَهُ عن قراءَةِ أمّ الكتاب وراءَ الإِمامَ: "اقْرَأ بها في نَفْسِكَ" (١٦)؟ هل هو عندَكم المعنى القائمُ في القَلْب أيضًا؟
(١٦) حديث صحيح، وهذا جزء منه موقوف، وقد رواه مسلم وغيره.
وهو مخرج في كتابي "الإِعلام بأحكام القراءة وراء الإِمام".