فتبيَّن إذًا بهذا البيانِ بَرَاءَةُ البُخاري ﵀ مِمَّا نَسَبَتْ إليه اللفظيةُ النافيةُ من الاعتقادِ الباطِلِ، وإنِّي أورِدُ عليهم قولَ البُخاري نفسِه في ذلك ليمْحَقَ باطلَهم، قال ﵀ بعدَ أن أسْنَدَ عن يحيى بن سعيد قولَه: "ما زِلْتُ أسمَعُ من أصحابِنا يقولون: إنَّ أفعالَ العبادِ مخلوقة" قال البخاريُّ: "حرَكاتُهم، وأصواتُهم، واكْتِسابُهم، وكتابَتهُم، مخلوقةٌ، فأمَّا القرآنُ المَتْلوُّ المُبينُ، المُثْبَتُ في المُصْحَف، المَسطورُ، المكتوبُ، المُوعى في القلوبِ، فهو كلامُ الله، ليسَ بخَلْقٍ" (٧٢).
وقال ﵀: "وقال الله ﷿: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ولكنَّه كَلامُ الله تَلْفِظُ به العبادُ والملائكةُ" (٧٣).
قلتُ: ولا يَجْهَلُ مسلمٌ يفهَمُ أنَّ المرادَ بالقرآنِ في هذه الآيةِ هو القرآنُ العربيُّ المُعْجِزُ الذي أعجَزَ الإِنسَ والجنَّ عن الإِتيانِ بمثلِهِ، وهو نفسُهُ الذي وصَفَهُ البُخاري بأنَّه كلامُ الله، وهو نفسُهُ الذي يتلفَّظُ به العبادُ، والمَلائكةُ، فما أثْبَتَ للعبادِ والملائكةِ -وهم عامَّةُ من يَعْقِلُ من خَلْقِ الله- إلَّا تَلَفُّظَهم به الذي هو فِعْلُهُمْ: نُطْقُ ألسِنَتِهم، وحرَكةُ شِفاهِهم، أمَّا القرآنُ المُعْجزُ فغير مَقدورٍ لهم أن يأتوا بمثلهِ، وهذا كلّه خِلافُ دين اللَّفْظية النافيةِ، فإنَّ هذا القرآنَ العربيُّ المُعجزَ في نَظْمِهِ مخلوقُ النَّظْمِ عندَهم.
وقد أثبتَ البخاري ﵀ في كتابِهِ "خلق أفعال العباد" أنَّ القرآنَ
(٧٢) "خلق أفعال العباد" ص: ٤٢.
(٧٣) "خلق أفعال العباد" ص: ٨٧.