المعنى المجرَّدَ لا تُتَصَوَّرُ قراءَتهُ كما لا يخفى.
والثالث: الذي تُبَدَّلُ منه آيةُ مكانَ آيةٍ هو القرآنُ، لأنَّه هو المؤلَّفُ من الآياتِ، وهذا يسلِّمُ به اللفظيةُ.
والرابع: قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ أثبتَ مُنْزِلًا وَمُنْزَلًا به، والمُنْزِلُ هو الله كما هو ظاهِر، وفِعْل التَّنزيلِ مُضافٌ إليه كما هو صَريحُ الآية، وقد مَرَّ بكَ أنَّه تعالى لَمْ يُضِفْ شيئًا من الإِنزالِ إلى نفسهِ إلاَّ كلامَهُ، والمُنْزَلُ به هو القرآن الذي تُبدَّلُ منه آيةٌ مكان آيةٍ، وهذا لا يَقْدِرُ اللَّفظىُّ على إنكارهِ.
والخامس: قوله: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ الضَّميرُ في قوله: ﴿نَزَّلَهُ﴾ عَائدُ على قولهِ: ﴿بِمَا يُنَزِّلُ﴾، وقد عَلِمنا أنّه القرآن، فأثبتَ أنَّ روحَ القُدُسِ نزَّلهُ من الله، فكان مَسموعًا له منه، متلقّىً عنه، وروحُ القدس هو جبريلُ، وقد بيّناه آنفًا.
فالذي نَزَلَ من الله تعالى هو الذي نَزَل به رُوحُ القُدُس، ولم يُضِفْ إلى رُوح القُدُسِ شيئًا من فعلِهِ سوى التَّنْزيل له من ربّ العالمينَ.
والسادس: المُرادُ من هذا السياق للآيات إثباتُ أنَّ هذا القرآنَ ليس من افتراءِ بشرٍ، والرَّدُّ على الكُفَّارِ قولَهم: ﴿يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾، وأرادوا رجلًا أعجَميًا، فكذَّبَ الله مقالَهم، ودحَضَ باطِلَهم، فقالَ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾، واللّسانُ: اللغة، واللُّغةُ: إنَّما هي ألفاظٌ مركَّبةٌ من الحُروفِ، وهذا ممَّا لا يُخْتَلَفُ فيهِ، فأقامَ الله الحُجَّةَ على الكفَّار وأبْطَلَ دَعواهم، بأنَّ صاحِبَهم الذي ادَّعوا أنَّ رسولَ الله