ومن ذلك: قول حصين بن منذر ليزيد بن المهلَّب - شعرًا -:
أمرتك أمرًا جازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادمَا
فما أنا بالباكي عليك صبابة ... وما أنا بالداعي لترجع سالماَ
ومن ذلك قول العرب - نثرًا -: " فلان مطاع الأمر "، و" فلان
معصي الأمر "، وقولهم: " أمر فأطيع "، وقولهم: "أمر فعصي ".
المذهب الثاني: أن المندوب غير مأمور به حقيقة، وإنما اعتبر
مأمورًا به عن طريق المجاز.
ذهب إلى ذلك: أبو الحسن الكرخي، والجصاص، وأبو بكر
الشاشي، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو حامد الإسفراييني، وفخر
الدين الرازي، وعبد الرحمن الحلواني، ونقل عن أكثر الشافعية،
وهو وجه للمالكية، واختاره إلكيا الهراسي، وأستحسنه ابن
السمعاني، وصحَّحه ابن العربي.
أدلة أصحاب هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه حذَّرنا من مخالفة أمره، وتوعَد من يخالف
ذلك الأمر بالعقاب - وهو الفتنة والعذاب -، فلو كان المندوب
مأمورًا به حقيقة لحذَّرنا اللَّه سبحانه من مخالفته، ولكن لم يصدر
أيّ تحذير من مخالفة المندوب؛ حيث إنه يثاب على فعله، ولا
يعاقب على تركه، فينتج أن المندوب ليس مأمورًا به حقيقة.
جوابه:
يقال في الجواب عنه؛ إنا نسلِّم أن الأمر - هنا - يقتضي الوجوب