510

Al-sīra al-nabawiyya waʾl-daʿwa fī al-ʿahd al-makkī

السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

Publisher

مؤسسة الرسالة

Edition

الأولى ١٤٢٤هـ

Publication Year

٢٠٠٣م

Regions
Egypt
وأخرى على المكان، وثالثة على الأشخاص، ورابعة على الأحداث، وخامسة على الحوار ... وهكذا تبعا لما يقتضيه مقام إيراد القصة.
ولهذا نرى القصة الواحدة تكرر مرات عديدة في مقامات مختلفة، ويختار منها في كل مقام ما يناسب الغرض المذكور من أجله، وربما كان الاستثناء الوحيد من هذه القاعدة هو قصة يوسف ﵇؛ إذ ذكرت تامة كاملة مرة واحدة.
ولنأخذ للتصوير القرآني للمشاهد والمواقف، وما يلابسها من نزعات وعواطف، مثالا من قصة مريم ﵍ في السورة المسماة باسمها.
والغرض الذي سيقت له القصة هو بيان الحق في شأن عيسى ﵇ وولادته من غير أب، ونفي ما نسجه النصارى حوله من دعاوى زائفة، رتبوا عليها ادعاء ألوهيته، أو أنه ابن الإله، إلى آخر ما قالوه.
وقد اختار القرآن الكريم في هذه المقام من المشاهد ما يفي بهذا الغرض، معقبا عليه بتقرير الهدف من القصة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ١.
أما المشاهد التي اختارها القرآن الكريم فهي مرتبة على النحو التالي: تبدأ بمشهد يمثل مريم بعد أن بلغت مبلغ النساء، وقد انتحت مكانا بعيدا واتخذت حجابا يسترها عن أعين الناس لشأن من شئونها، يقتضي ألا يرها أحد، ويفاجئها الملَك وهي في خلوتها فينتابها الفزع، ويدور بينهما حوار ينتهي باستسلامها لأمر الله ويحدث الحمل.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ

١ سورة مريم الآيات ٣٤-٣٦.

1 / 525