289

Al-sīra al-nabawiyya waʾl-daʿwa fī al-ʿahd al-makkī

السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

Publisher

مؤسسة الرسالة

Edition

الأولى ١٤٢٤هـ

Publication Year

٢٠٠٣م

Regions
Egypt
ورأى في مكة بعض الحنفاء ينكرون على العرب ما هم فيه من بعد عن دين إبراهيم ﵇، لقد عاش ﷺ حياة عملية ممتلئة بالحوادث والاتجاهات، وقد عادت نفسه لذلك كله، وتذكره عقله ﷺ في تحليل نظري وتأمل فكري؛ للوصول إلى شيء من أسرار ذلك كله.
والخلوة والبعد عن الناس من الأمور غير المحببة في حياة البشر؛ لأن الإنسان مدني بطبعه، يحب الأنس، ويعشق ملاقات الآخرين، ويجب التعامل والسمر معهم، وما سمي الإنسان إنسانا إلا لوجود هذا الطبع فيه.
والخلاء مع هذا عامل تربوي، يُعلم الصمت والسكون، ويدفع إلى التأمل والتفكير، ويساعد على الطهارة والسمو؛ ولذلك كانت العبادة في جوف الليل من عظائم الأمور، وكان قرآن الفجر مشهودا، وذلك لمن جعل خلوته لخدمة القيم والخلق.
وقد حبب الله لمحمد الخلاء، فكان يخرج من مكة بعيدا عن الصخب والضجيج، ويمكث وحيدا في غار حراء، ومعه زاده وعدته، مدة تضم الليالي ذوات العدد، حيث يقضي شهر رمضان في خلوته وانقطاعه عن الناس.
يقول الخطابي: والخلوة يكون معها فراغ القلب، وهي معينة على الفكر، وقاطعة لدعاوى الشغل الفطري، والبشر لا ينفك عن طباعه، ولا يترك مألوفه من عاداته إلا بالرياضة البليغة، والمعالجة الشديدة، فلطف الله تعالى بنبيه محمد ﷺ في بداية أمره فحبب إليه الخلوة، وقطعه عن مخالطة البشر؛ ليتناسى المألوف عن عاداتهم، ويستمر على هجران ما لا يحمد من أخلاقهم، وألزمه شعار التقوى، وأقامه في مقام التعبد بين يديه؛ ليخشع قلبه، وتلين عريكته، فيجد الوحي منه حين وروده مرادا سهلا، ولا يصادفه حزنا وعرا.
فجعلت هذه الأسباب مقدمات لما أرصد له من هذا الشأن ليرتاض بها، ويستعد لما ندب إليه، ثم جاءه التوفيق والتبشير، وأخذته

1 / 301