303

Ẓāhira al-irjāʾ fī al-fikr al-Islāmī

ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي

Publisher

دار الكلمة

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م

فإن الحافظ ابن حجر والطيبي والكرماني تأثروا بذلك - ربما بدون شعور - حين استشكلوا لماذا لم يجب النبي ﷺ جبريل بأنه التصديق!! وخرجوا ذلك بأنه سأله عن متعلقات الإيمان لا عن معنى لفظه! أو أن في الجواب تضمينا للمعنى اللغوي! أو أن المراد من المحدود الإيمان الشرعي، ومن الحد الإيمان اللغوي (١)
فالمتمنطقون من المتكلمين - وهم أكثر المتأخرين كما سبق - افترضوا النبي ﷺ بمنزلة أرسطو أو فرفريوس وهو يناظر السفسطيين!! والآخرون - ومن تأثر بهم من الشراح - افترضوه بمنزلة الخليل بن أحمد أو الأصمعي وهو يجيب الناس عن معاني الألفاظ اللغوية!
والله تعالى نزه نبيه ﷺ عن الخوض الفلسفي في المطلقات والماهيات المجردة وسائر مباحثهم، بل نزه أصحابه الذين جاء جبريل يعلمهم دينهم أن يكون فيهم من ينكر حقيقة الإيمان، بل كفار قريش وسائر العرب لم يعرفوا السفسطة، كما لم تعرفها أمة سوية على ظهر الأرض.
أما مجرد الشرح اللغوي؛ فإن النبي ﷺ أجل شأنا من أن يكون همه في مثل هذه المقامات العليا من التعليم؛ حيث الأمر يتعلق بأصل الدين وأسمائه، وأصحابه ﷺ لا يحتاجون أن يتعلموا لغتهم، ولو أرادوا ذلك لأمكنهم من غير طريقه ﷺ أو معها، كما أن مجيء جبريل ﵇ أعظم قدرا من أن يكون لمجرد التعريف اللغوي.
فظهر من هذا أن النبي ﷺ في مقام التعليم الشرعي أجاب الجواب الشرعي الكامل الذي لا يجوز العدول عنه سواء ما ورد في هذين الحديثين أو في غيرهما كحديث الشعب، فلا وجه للاستشكال أصلا، وأن قول السلف: " قول وعمل يزيد وينقص " هي أصدق عبارة في الكشف عما تضمنته هذه الأحاديث مع الآيات من معنى، وأن ما أطال فيه المتكلمون من التفلسف وأرغمونا على الإطالة في رده لا يجوز التعريج عليه، وهذا ما نزيده إيضاحا بالفقرات التالية لهذه.
* القضية الثانية: وجود الأنواع خارج الذهن:
استحوذت السفسطة على تفكير أكثر الشباب الإغريقيين وأصبحت كأنما هي الفكرة المسيطرة على أثينا، وعز على أساطين الفلسفة والجدل وعلى رأسهم

(١) انظر: الفتح (١/١١٧)

1 / 313