يقول الإمام الغزالي في الإحياء:
"لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلَّا رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهى عنه حليم فيما يأمر به حليم فيما ينهى عنه. فقيه فيما يأمر به فقيه فيما ينهى عنه"، ومما ذكره هنا -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: "أن رجلًا دخل على المأمون الخليفة العباسي فأغلظ له القول وقسا في التعبير، ولم يراع أن لكل مقام مقالًا يناسبه وكان المأمون ﵀ ذا فقه فقال له يا هذا أرفق فإن الله -تعالى- بعث من هو خير منك إلى من هو أشر مني وأمره بالرفق بعث موسى وهارون وهما خير منك إلى فرعون وهو شر مني، وأوصاهما بقوله: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ (١) " (٢).
ومن تأمل حوار موسى مع فرعون في القرآن الكريم يجده قد وعى وصية الله له ونفذها بكل دقة برغم جبروت فرعون واستعلائه، وتهجمه واتهامه وتهديده!! يوضح ذلك ابن قيم الجوزية ﵀ في بدائعه إذ يقول:
"أمر الله أكرم خلقه عليه -يقصد موسى ﵇ بمخاطبة رئيس القبط بالخطاب اللين -يقصد فرعون مصر- فمخاطبة الرؤساء بالقول اللين أمر مطلوب شرعًا وعقلًا وعرفًا، ولذلك تجد الناس كالمفطورين عليه. وهكذا كان النبي ﷺ يخاطب رؤساء العشائر والقبائل ... وتأمل امتثال موسى ﵇ لما أمر به كيف قال لفرعون ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)
(١) سورة طه: آيتان ٤٣، ٤٤.
(٢) إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي ٢/ ٣٢٨، ٣٢٩، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر ١٣٥٨ هـ ١٩٣٩ م.