وشهوة المال إلى حد الوأد وقتل الأولاد. رأى حكامًا اتخذوا بلاد الله تحت سلطانهم غنيمة وعباد الله عبيدًا لهم، ورأى أممًا كقطعان من الغنم ليس لها راع والحكم كسيف في يد سكران يجرح فيه من يعترض سبيله) (١).
"فكان ﷺ المثل الأعلى في فهم واقع الجاهلية والنفاذ إلى نفسيات أهلها، وخوالجهم، فقد أدرك ﷺ الأسباب التي تشدهم إلى الباطل وتعوقهم دون قبول الحق ثم أخذ في علاج تلك العوامل والأسباب فكان ﷺ بذلك يهدم صورة الواقع الباطل في سلود القوم لبنة لبنة ويبني صورة الحق لبنة لبنة، لقد أمضى الرسول ﷺ ثلاث عشرة سنة في مجال العقيدة، ثم انتقل إلى معالجة ما هو فرع لها في السلوك العملي:
فقد عرض ﷺ على الناس تصورات الإِسلام الأساسية ومبادئه الخلقية الراسخة، وأخذ يعد الرجال الذين قبلوا هذه الدعوة وانضووا تحت لوائها أمثال أبي بكر الصديق ﵁، وسائر أبطال الدعوة إلى الله -تعالى-، فلما أن تم له ذلك تقدم خطوة أخرى، فأقام في المدينة المنورة حكومة ثابتة الأركان راسخة القواعد، ثم بعد أن أصبحت المدينة معقل الإِسلام، ومشعل الهداية، وتسلم النبي ﷺ جميع الزعامات فيها، وتمكن منها كل التمكن، تقدم خطوة ثالثة فقام بمهمة التطبيق العملي في واقع مُهَيَّأ ملموس كان يعمل له من ذي قبل سنوات متعددة بالدعوة والتبليغ وبذا أقام ﷺ أحكام الإِسلام وآدابه وسلوكياته مكان العادات والتقاليد الجاهلية الفاسدة، وبفضل هذا السعي الجدي الدائب للإصلاح الشامل ظل ﷺ يطبق
(١) انظر: مقالات إسلامية للعيثاوي ص ١٤٥، ٢٦١، طبع ونشر الدار العربية للطباعة ببغداد سنة ١٣٩٨ هـ.