فجعل ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ يتعلقُ بقوله: ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾. ولو كان الكلام على ترتيبه في النظم، لكان قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ متعلقًا بـ ﴿لاَ تَعْلَمُونَ﴾، ويكون المعنى: إنْ كنتمْ لا تعلمونَ بالبيناتِ والزبرِ التي نزلتْ على رسولي فاسألوا أهلَ الذكرِ يخبروكم عنْ صِحَّتِهَا، وواضح هاهنا أنَّ بينَ المعنيينِ فرقًا، والله أعلم.
٢ - أُسْلُوبُ الحَذْفِ وَالاخْتِصَارِ:
ومنْ ذلكَ أن تَحْذِفَ المضافَ وتقيمَ المضافَ إليه مقامَه، وتجعلَ الفعلَ له (١).
وقدْ ذكرَ الأخفشُ (ت:٢١٥) من ذلك قولَه تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٩]، قال: «يعني: أهلَها؛ كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. ولم يَجِئْ بلفظِ القُرَى، ولكنْ أجرى اللَّفظَ على القومِ، وأجرى اللَّفظ في القريةِ عليها إلى قوله: ﴿الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢].
وقال: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾، ولم يقل: أهلكناهم، حملَه على القومِ؛ كما قال: وجاءت تميم، وجعلَ الفعلَ لبني تميمٍ، ولم يجعلْهُ لتميمٍ، ولو فعلَ ذلك لقالَ: جاءَ تميمٌ، وهذا لا يحسنُ في نحوِ هذا؛ لأنَّه قدْ أرادَ غيرَ تميمٍ في نحوِ هذا الموضعِ، فجعلَه اسمًا، ولم يحتملْ إذا اعْتَلَّ أنْ يحذفَ ما قبلَه كلَّه، يعني: التاءَ من (جاءتْ) مع (بني) وتركَ الفعلَ على ما كان؛ ليدلَّ على أنَّه قدْ حذف شيئًا قبلَ تميمٍ» (٢).
وهذا يعني أنَّ العذابَ نزلَ على القومِ لا على مجردِ المساكنِ، وأسلوبَ إيقاع الفعلِ على المضافِ إليه، وإرادةُ المضافِ، معروفٌ في لغةِ العربِ.
(١) ينظر هذا العنوان في: تأويل مشكل القرآن (ص:٢١٠)، ثم ينظر: الصاحبي في فقه اللغة (ص:٣٣٧).
(٢) معاني القرآن (٢:٤٣١ - ٤٣٢). وينظر أمثلة من أساليب الخطاب العربي عنده (١:٥٢، ١٣٤، ١٣٧، ١٤٠، ١٤٢ - ١٤٤، ١٧٣، ١٨٩، ١٩١، ١٩٢، ١٩٦، ٢٣٠، ٢٣٣ - ٢٣٤، ٢٦٠، ٣٩٤)، (٢:٤٧١، ٤٧٨).