283

Al-tafsīr al-lughawī liʾl-Qurʾān al-karīm

التفسير اللغوي للقرآن الكريم

Publisher

دار ابن الجوزي

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣٢هـ

بأمثلةٍ تُوضِّحُها، وقدْ كانَ للمعاني نصيبٌ في هذا البيانِ، فقدْ أولاهُ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) عنايَتَه، ووضَّح منه جملةً كثيرةً، وإن كان البيانُ النحويُّ لأساليب العرب أكثر، ومن الأساليب التي بينها في الخطاب القرآنيِّ، ما يأتي:
* الخِطَابُ بِالْمُسْتَقْبَلِ لأَمْرٍ قَدْ مَضَى:
قالَ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧): «وقولُه: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١] يقول القائل: إنما (تقتلونَ) للمستقبلِ، فكيفَ قالَ: (من قبل)؟، ونحنُ لا نجيزُ في الكلامِ: أنَا أضربُك أمسِ، وذلكَ جائزٌ إذا أردتَ بـ (تفعلون) الماضيَ، ألا تَرى أنَّكَ تُعَنِّفُ الرجلَ بما سلفَ من فعلِه، فتقولُ: ويحكَ لِمَ تكذبْ؟ لم تُبَغِّضْ نفسَكَ إلى النَاسِ؟! ومثلُه قولُ اللهِ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ولَمْ يَقُلْ: ما تلتِ الشياطينُ. وذلكَ عربيٌّ كثيرٌ في الكلامِ، أنشدني بعضُ العربِ (١):
إذَا مَا انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ
وَلَمْ تَجدِي مِنْ أَنْ تُقِرِّي بِهَا بُدَّا
فالجزاءُ للمستقبل، والولادة كلها قد مضت (٢)، وذلكَ أَنَّ المعنى معروفٌ.
ومثلُه في الكلامِ: إذا نظرتَ في سِيرِ عمر (٣) ﵀ لم يسئْ، والمعنى؛ لم تجدْهُ أساءَ، فلمَّا كانَ أمرُ عمرَ لا يُشَكُّ في مُضِيِّه، لم يقعْ في الوهمِ أنه مستقبلٌ، فلذلكَ صلحَتْ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ مع قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾، وليس الذين خوطبوا بالقتلِ همُ القَتَلَةُ، إنَّما قَتَلَ الأنبياءَ أسلافُهُم الذين مضوا، فتولَّوهم على ذلك ورضوا به فَنُسِبَ القتلُ إليهم» (٤).

(١) البيت منسوبٌ لزائدة بن صعصعة. ينظر: المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية (٢:١٧٥).
(٢) يعني بالجزاء: قول الشاعر: إذا ما، والولادة في قول الشاعر: لم تلدني.
(٣) أي: سيرة عمر.
(٤) معاني القرآن للفراء (١:٦٠ - ٦١).

1 / 293