* وقالَ: «قولُه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤] معناه: أنهار، وهو في مذهبِه كقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥].
وزعمَ الكسائيُّ أنَّه سمعَ العربَ يقولونَ: أتينا فلانًا، فكنَّا في لَحْمَةٍ ونَبِيذَةٍ، فَوَحَّدَ، ومعناه الكثيرُ.
ويقالُ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤] في ضياءٍ وسَعَةٍ، وسمعتُ بعضَ العربِ ينشدُ (١):
إنْ تَكُ لَيْلِيًا فإنِّي نَهِرُ ... مَتَى أَرَى الصُّبْحَ فَلاَ أَنْتَظِرُ
ومعنى نَهِرُ: صاحبُ نهارٍ» (٢).
وفي هذه الأمثلةِ السابقةِ يظهرُ إيرادُ الفراءِ (ت:٢٠٧) للمحتملاتِ اللغويةِ الواردةِ على النَّصِّ القرآنيِّ، كما يظهرُ حرصُهُ على إيرادِ الشَّواهدِ على هذه المحتملاتِ.
وفي بعض المواطن يحكي مثلَ هذه المحتملات دون أن يبين رأيَهُ
(١) كذا أنشده الفراء، وقد نقله عنه الطبري في تفسيره، ط، الحلبي (٢٧:١١٣)، وفي الصحاح، مادة (نهر): «ورجل نَهِرٌ: صاحب نهارٍ يُغِيرُ فيه، قال الراجز:
إن كُنْتَ لَيْلِيًا فَإِنِّي نَهِرْ
مَتَى أرَى الصُّبْحَ فَلا أنْتظِرْ»
وقال ابن بَرِي - معلقًا على الصحاح ـ: «وذكر في هذا الفصل بيتًا شاهدًا على رجلٍ نَهِرٍ، وهو:
إنْ كُنْتَ لَيْلِيًا فَإنِّي نَهِرْ
قال الشيخ: البيت مُغيَّرٌ، وصوابه ما أنشده سيبويه:
لَسْتُ بِلَيْلِيٍ وَلَكِنِّي نَهِرْ
لا أَدْلُجُ اللَّيْلَ وَلَكِنْ أبْتَكِرْ
وجعل «نَهِرْ» في مقابل «ليلي»؛ كأنه قال: لست بليلي ولكنِّي نهاري». التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح، لأبي محمد عبد الله بن بري، تحقيق: عبد العليم الطحاوي (٢:٢٢١).
(٢) معاني القرآن (٣:١١١).