278

Al-tafsīr al-lughawī liʾl-Qurʾān al-karīm

التفسير اللغوي للقرآن الكريم

Publisher

دار ابن الجوزي

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣٢هـ

٣ - ذِكْرُ الْمُحْتَمَلاَتِ اللُّغَوِيَّةِ للنَّصِّ القرآنيِ:
لَمَّا كانتِ المباحثُ العربيةُ هي الوجهةُ التي سَلَكَهَا الفراءُ (ت:٢٠٧) في كتابِه (معاني القرآن)، فإنَّ اهتمامه بالمحتملاتِ اللغويةِ للنَّصِّ القرآني كانَ أحدَ هذه المباحثِ التي رَكَّزَ عليها في البيانِ.
ويظهرُ في مثلِ هذه المحتملاتِ - إذا كانتْ مشكلةً في التعبيرِ - حِرْصَهُ على إيرادِ الشواهدِ والأساليبِ الكلاميةِ التي تُبَيِّنُ النَّصَّ القرآنيَ، ومنْ ذلكَ:
* ما ذكره في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، قال: «أضافَ المثلَ إلى الذينَ كفروا، ثمَّ شبَّهَهم بالرَّاعي، ولم يقلْ: كالغنمِ، والمعنى - واللهُ أعلمْ ـ: مثلُ الذي كفروا كمثلِ البهائمِ التي لا تَفْقَهُ ما يقولُ الراعي أكثرَ من الصوتِ، فلو قالَ لها: ارعِيْ أو اشربي، لم تدْرِ ما يقولُ لها، فكذلكَ مثلُ الذينَ كفروا فيما يأتيهم منْ القرآنِ وإنذارِ الرسولِ.
فأضيفَ التَّشبيهُ إلى الرَّاعي، والمعنى - والله أعلمُ - في المرعيِّ، وهو ظاهرٌ في كلامِ العربِ أنْ يقولوا: فلانٌ يخافُكَ كخوفِ الأسدِ، والمعنى: كخوفِه الأسدَ؛ لأنَّ الأسدَ هو المعروفُ بأنَّه المخوفُ، وقال الشاعرُ (١):
لَقَدْ خِفْتُ حَتَى مَا تَزِيدُ مَخَافَتِي ... عَلَى وَعْلٍ في ذِي المَطَارَةِ عَاقِلُ
والمعنى: حتى ما تزيدُ مخافَةَ وَعْلٍ على مخافتي، وقالَ الآخرُ (٢):
كَانَتْ فَرِيضَةَ مَا تَقُولُ كَمَا ... كَانَ الزِّنَاءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ
والمعنى كما كان الرَّجم فريضة الزِّنَى، فيتهاون الشَّاعر بوضع الكلمة

(١) البيت للنابغة الذبياني، في ديوانه، تحقيق: محمد الطاهر بن عاشور (ص:١٩٨)، وقال في شرحه: ذو المطارة: اسم جبل، وهو بفتح الميم، عاقل: متحصن، فيه فرار من الصيادين.
(٢) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه، تحقيق: عبد العزيز رباح (ص:٢٣٥).

1 / 288