* رِوَايَةُ الإِمَامِ البُخَارِيِّ:
وفِي رِوَايَةِ البُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ ﵁ مَبْعَثَ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ لِأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ يَأْتيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، وَاسْمَعْ مِنْ قَوْلهِ ثُمَّ ائْتِنِي، فَانْطَلَقَ الْأَخُ حَتَّى قَدِمَهُ وَسَمعَ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ-﵁، فَقَالَ لَهُ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَكَلامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ ﵁: مَا شَفَيْتَنِي مِمَّا أَرَدْتُ، فتَزَوَّدَ، وَحَمَلَ شَنَّةً (١) لَهُ فِيهَا مَاءٌ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأتَى الْمَسْجِدَ، فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ ﷺ ولَا يَعْرِفُهُ، وكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ، حتَّى أدْرَكَهُ بَعْضُ اللَّيْلِ، فَرَآه عَلِيٌّ ﵁ فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ، فَلَمَّا رَآه تَبِعَهُ، فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ حتَّى أصْبَحَ، ثُمَّ احْتَمَلَ قِرْبَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى المَسْجِدِ، وظَلَّ ذَلِكَ اليَوْمَ ولَا يَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ حتَّى أمْسَى فَعَادَ إِلَى مَضْجِعِهِ، فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ ﵁ فقَالَ: أمَا نَالَ (٢) لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ؟
فَأَقَامَهُ، فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ، لَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حتَّى إِذَا كَانَ اليَوْمُ الثَّالِثُ فَعَادَ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فأقَامَ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ: ألَا تُحَدِّثُنِي مَا الذِي أقْدَمَكَ؟
قَالَ: إِنْ أعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لتُرْشِدَنَّنِي فَعَلْتُ، فَفَعَلَ، فأخْبَرَهُ.
(١) الشَّنَّةُ: القربة. انظر النهاية (٢/ ٤٥٣).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥٦٦): نَالَ: أي حَانَ.