Waẓīfat al-ṣūra al-fanniyya fī al-Qurʾān
وظيفة الصورة الفنية في القرآن
Publisher
فصلت للدراسات والترجمة والنشر
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
Publisher Location
حلب
Regions
Syria
لهذا يصوّر القرآن الكريم على سبيل الافتراض، رفض قبول فدية من الإنسان مهما كانت كبيرة حتى يسدّ الأبواب على الكافرين، فلا يفكّروا في مثل هذه المواقف أن يفتدوا أنفسهم، كما كانوا يفعلون في الدنيا. يقول الله ﷾: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ آل عمران: ٩١.
بل إن القرآن الكريم يضاعف من التصوير التخييلي، فيفترض أن لهم ما في الأرض جميعا، ومثله معه، وحاولوا الاقتداء به، ما قبل منهم ذلك إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ المائدة: ٣٦.
والمجرم أيضا يودّ لو يفدي نفسه بأعزّ الناس إليه. يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ، وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ، وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ المعارج: ١١ - ١٤.
وصورة الفداء، تتواصل مع الصور الأخرى، في رسم الأهوال والفزع لأولئك الكافرين، ورغبتهم في النجاة بأي وسيلة بالفداء، أو الندم، أو التوبة، أو الأمنيات، ولكن موعد ذلك قد فات، فاليوم الآخر هو للجزاء ثوابا أو عقابا على الأعمال.
ولم يبق لهؤلاء إلا اتهام أسيادهم، الذين أضلّوهم، لتحميلهم مسئولية كفرهم وضلالهم، وهي المحاولة الأخيرة لهم، للإفلات من العذاب.
ويصوّر القرآن الكريم مشاهد للأتباع والمتبوعين، وهم يتحاورون، ويتعاتبون، ويلقي كلّ منهم المسئولية على الآخر، ولكنّ النتيجة لهم معا، هي القذف في النار.
وهذه المشاهد، تعرض أمامهم حيّة حاضرة، وهم ما زالوا في الدنيا، يرون صورتهم ممتدة في اليوم الآخر، فيرون أسيادهم، يتملّصون منهم، ويتهربون، ليتركوهم وحدهم في مواجهة الحساب والعذاب.
وتتواصل هذه المشاهد، مع المشاهد الأخرى في إيضاح الحقائق الدينية، وتقريب اليوم الآخر من الإدراك البشري من خلال صور مألوفة لدى الإنسان.
وتتسم كثير من مشاهد الأتباع والمتبوعين بالسخرية والتهكم، لتحقيق التأثير الديني، يقول تعالى موجها السؤال للكافرين للسخرية منهم: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ، وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ، قالُوا وَهُمْ فِيها
1 / 349