330

Waẓīfat al-ṣūra al-fanniyya fī al-Qurʾān

وظيفة الصورة الفنية في القرآن

Publisher

فصلت للدراسات والترجمة والنشر

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م

Publisher Location

حلب

البشر من أول خلق الإنسان إلى الحساب، وهم يقفون على هذه الهيئة، استعدادا، لتلقي سجل أعمالهم. والخزي مرسوم على وجوه الكافرين، والسرور واضح في قسمات وجوه المؤمنين، والله يواجه الكافرين والمجرمين بذنوبهم، ويضع أمامهم سجل أعمالهم الدقيق.
في هذا المشهد، تلازم الأعمال أصحابها، ولا تفارقهم يقول تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا، يَلْقاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا الإسراء: ١٣ - ١٤.
فالأعمال حاضرة مجسّمة في صورة كتاب، مكشوف أمام الخلائق، بعد أن كان مستورا عن أعين الناس في الدنيا، وزيادة في توضيح الصورة، جعله ملازما لصاحبه، ملازمة الطائر لصاحبه.
وهذه صورة عميقة الدلالة في الحس والشعور توحي بأن الإنسان، لا يستطيع الإفلات من أعماله، مهما حاول ذلك، ولك أن تتأمل صورة الإنسان في ذلك المشهد، وهو يحاول الإفلات من طائره، وهو يطارده في كل مكان، وفي أي اتجاه، وما يعانيه من هذه الملازمة أو المطاردة، لأنه يعرف مضمون كتابه، وما قدم في الدنيا من أعمال.
وزيادة في إثارة الألم والندم، يتوجّه الخطاب مباشرة إلى الإنسان اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا وهذا الانتقال إلى أسلوب الخطاب، يجعل المشهد حيا حاضرا، وكأن قراءة الكتاب مطلوبة في الدنيا قبل الآخرة، وبذلك يتضافر التعبير مع التصوير في تحقيق التأثير النفسي.
وتجسيم الأعمال على هذا النحو، وجعلها حاضرة الحساب، لمواجهة أصحابها بها. له أعمق الأثر في النفس الإنسانية، حتى إنّ الإنسان المذنب، يتمنى أن يكون بعيدا عن أعماله، تفصل بينهما المسافات الشاسعة يقول تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا آل عمران: ٣٠.
ومن شدة الكرب، وأهواله، يتمنى الكافر العدم على الحياة، حتى لا يحاسب، ولا يواجه بأعماله.
يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا النبأ: ٤٠.
كما يصوّر القرآن كل أمة جاثية على ركبها، استعدادا لنشر الكتب والصحف وَتَرى كُلَ

1 / 344