188
الثاني: أن المراد بالسجود هنا: الركوع؛ لأن الباب كان صغيرا ضيقا، يحتاج الداخل فيه إلى الانحناء، وهذا مروي عن ابن عباس، قال الطبري: "فإن ابن عباس كان يتأوله بمعنى الركوع"، ثم قال مبينا وجه قول ابن عباس:" وأصل السجود: الانحناء لمن سُجد له معظما بذلك، فكل منحن لشيء تعظيما له، فهو ساجد ...، فذلك تأويل ابن عباس قوله:"سجدًا" ركعًا؛ لأن الراكع منحن، وإن كان الساجد أشد انحناءً منه" (^١)، وبهذا فسر الإمام السمعاني معنى السجود في هذا الموضع فقال: "سجدًا: أي ركعا خضعا، وأصل السجود الخضوع، وفي الركوع خضوع، وقال الشاعر:
(بجمع تضل البلق في حجراته: ترى الأكم فيه سجدًا للحوافر)، أي: ركعًا خضعًا " (^٢)
واستبعد هذا القول الرازي أيضا وقال: "وهذا بعيد؛ لأنه لو كان ضيقًا، لكانوا مضطرين إلى دخوله ركعًا، فما كان يحتاج فيه إلى الأمر" (^٣).
الثالث: قيل: المراد منه: متواضعين خشوعًا لا على هيئة متعينة (^٤)، فالسجود هنا محمول على الخضوع؛ لتعذر حمله على حقيقته، ورجحه الرازي (^٥).
د - سجود السحرة:
قصّ الله جل وعلا قصة موسى ﵇ مع سحرة فرعون، وأنهم حين رأوا مارأوا من الآيات العظيمة الباهرة التي لايمكن أن تكون من جنس تمويههم، ولاتخييلهم، عرفوا أنها من عند الله جل وعلا، فآمنوا وأقروا واعترفوا، وصبروا، وخروا لله ساجدين كما قال جل وعلا: "وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ" (الأعراف ١٢٠ - ١٢٢)، وهنا اختلف المفسرون في حقيقة هذا السجود على قولين:
الأول: أنهم سجدوا لله تعالى: إقرارا بربوبيته، واستحقاقا لعبوديته، وهذا الذي عليه جماهير أهل التفسير، قال الطبري: "وأُلقي السحرة عندما عاينوا من عظيم قدرة الله، ساقطين على وجوههم، سجدا لربهم" (^٦).

(^١) «الطبري: جامع البيان:٢/ ١٠٤
(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٨٣
(^٣) «الرازي: مفاتيح الغيب:٣/ ٥٢٣
(^٤) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:١/ ٤١٠
(^٥) «الرازي: مفاتيح الغيب:٣/ ٥٢٣
(^٦) «الطبري: جامع البيان:١٣/ ٣٢

1 / 188