النصوص ما يناقض ذلك، لأن تلك النصوص مشكلة ومتشابهة لا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم معناه لا يجوز الاستدلال به، فيبقى هذا المذهب -أعني: مذهب التفويض- سدًّا لباب الهدى والبيان، وفتحًا لباب التأويل والضلال (^١).
وبهذا يتضح أن كلًّا من التأويل والتفويض في نصوص الصفات مجانب للحق، مخالف لمذهب السلف الموافق للكتاب والسنة والعقل الصريح.
الثالث: الرد عليه في زعمه أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم:
لَمّا كانت طريقة الخلف تخالف طريقة السلف في نصوص الصفات وكان من المتقرر بداهة أن السلف أفضل في الدين، وأصوب في العلم؛ درج المتكلمون على تبرير هذا الاختلاف بكون السلف ﵏ آثروا السلامة واختاروا الورع والاحتياط على الخوض في التأويل الذي هو الأعلم والأحكم -بزعمهم- ومن ثم تتابعوا على ترديد هذه المقالة: (مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم) (^٢)، وكان من أولئك ابن حجر -كما سبق نقله عنه قريبًا-.
وهذه المقالة تجمع بين الجهل بطريقة السلف والضلال بتصويب طريقة الخلف، وهي باطلة من وجوه:
١ - أن هذه المقالة مبنية على ظن فاسد وخطأ ظاهر وهو اعتقاد أن مذهب السلف ﵏ هو تفويض معاني نصوص الصفات وهذا باطل؛ إذ مذهب السلف إثبات نصوص الصفات واعتقاد ما دلت عليه من المعاني وتفويض كيفياتها لا معانيها، وفرق بين الأمرين (^٣).
(^١) انظر: درء التعارض (١/ ٢٠٢، ٢٠٥).
(^٢) انظر: إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل للبدر بن جماعة (ص ٩٣)، شرح المقاصد للتفتازاني (٤/ ٥٠)، شرح الخريدة البهية لأحمد الدردير (ص ٤٢ - ٤٣)، تحفة المريد للبيجوري (ص ٩١).
(^٣) انظر: الحموية (ص ٢٠٤ - ٢٠٥)، درء التعارض (٥/ ٣٧٨).