301

Al-Muʿjam al-Jāmiʿ fī tarājim al-muʿāṣirīn

المعجم الجامع في تراجم المعاصرين

الإمام محمد بن عبد الوهاب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:-
لقد أذن الله ﷾ بظهور دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في منتصف القرن الثاني الهجري، بعد أن أطبقت الجهالة على الأرض وخيمت الظلمات على البلاد، وانتشر الشرك والضلال والابتداع في الدين، وانطمس نور الإسلام، وخفي منار الحق والهدى، وذهب الصالحون من أهل العلم فلم يبق سوى قلة قليلة لا يملكون من الأمر شيئًا، واختفت السنة وظهرت البدعة، وترأس أهل الضلال والأهواء، وأضحى الدين غريبًا والباطل قريبًا، حتى لكأن الناظر إلى تلك الحقبة السوداء المدلهمة ليقطع الأمل في الإصلاح ويصاب بيأس قاتل في أية محاولة تهدف إلى ذلك. للمزيد من أخبار هذه الحقبة راجع كتاب عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١/٤٨ ١٠٥) .
ولكن الله ﷿ قضى بحفظ دينه وكتابه وسنة نبيه ﷺ، وكان من رحمته ﵎ بهذه الأمة أن يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه. انظر الحديث في صحيح سنن أبي داود برقم (٣٦٠٦) في كتاب الملاحم.
فكان الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بتوفيق الله ﷿ هو مجدد القرن الثاني عشر الهجري وهو أمر في حكم المتفق عليه. انظر من قال من العلماء بهذا في كتاب: عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي (١/١٩ ٢١) .
ويمكننا القول إن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ تعد البداية الحقيقية لما حدث في العالم الإسلامي من يقظة جاءت بعد سبات طويل، وما تمخض عنها من صحوة مباركة ورجعة صادقة إلى الدين.
إن الدعوة السلفية التي دعا إليها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر الهجري لم تكن سوى الدعوة التي نادى بها المصلح العظيم والإمام المجدد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في القرن الثامن الهجري، وهي نفس الدعوة التي أوذي من أجلها إما أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل ﵀ في القرن الثالث الهجري، وهي تعني باختصار الرجوع إلى الإسلام كما أنزل على الرسول الكريم ﷺ، وفهم الصحابة والتابعون وتابعوهم من أهل القرون المفضلة، عقيدة وشريعة وسلوكًا.
وهي الدعوة التي تكفل الله بحفظها ووعد من حملها بالظهور والنصر إلى قيام الساعة مهما خذلها المتخاذلون وخالفها الخصوم والمناوئون وأخبر بذلك سيد المرسلين محمد ﷺ في الحديث الصحيح: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس) . البخاري مع الفتح (٦/٦٣٢) .
إننا اليوم لتمر علينا أيام حالكة الظلام، ظلام يحجب عن معظم الناس الرؤية الواضحة في التصور: فليس هناك فرق لدى العامة بين ما يقوله الله تعالى وبين ما يقوله الجهلاء من بني البشر، وظلام في التلقي، فهذا يتلقى عن داعية القومية، وذاك ينادي بالوطنية وثالث يرفع عقيرته مناديًا بالعدالة الاجتماعية، ورابع يعبد الرأسمالية والديمقراطية.
وكثير ممن يزعمون أنهم من علماء الدين وقد أضلهم الله على علم نراهم يرقصون ويترنحون ما بين قبر البدوي ومقام الحسين، وغيره مما عُرف بالعتبات المقدسة، وإذا ما أراد أحدهم أن يؤلف كتابًا عن إمام من أئمة الابتداع والتخريف، ذهب إلى قبره يستشيره في تأليف هذا الكتاب.
وآخر نراه يتحدث في كل مناسبة بأن تلاميذه يصافحون رسول الله ﷺ حقيقة وليس في المنام، وإذا ما زار أحدهم المدينة النبوية، دعاه رسول الله ﷺ إلى حفل غذاء أو عشاء، يحضره كبار الصحابة والتابعين وأولياء الله.
أما حديث التلاميذ عن شيخهم المعمم ففيه العجب العجاب، فإن الواحد منهم يقول: إنه إذا هم بمعصية يرى صورة شيخه أمامه محذرًا متوعدًا له، فيخشاه ويتراجع عن معصيته خوفًا من شيخه وليس خشية من الله، وهذا ليس افتراء منا على الشيخ، فهو يتحدث في دروسه العامة بهذا وبأكثر منه.
وإذا كان هذا شأن المنسوبين إلى العلم، فماذا ننتظر من دهماء الناس؟! إن عبادة الآلهة من دون الله مازالت قائمة وإن تغيرت الأسماء وتباينت الألفاظ، فالقومية بدلًا من اللات، والوطنية بدلًا من هبل، والديمقراطية بدلًا من العزى.
والعواصم العربية مزدحمة بالأصنام، فهذه الأهرامات، وهذا صنم الزعيم فلان، وهذا تمثال للعامل، وذاك وثن للجندي المجهول.. وهي أصنام أشد خبثًا وشركًا من أصنام الجاهلية، إذ إن أصنام الجاهلية، بدائية وساذجة، أما هذه الأصنام فالواحد منها يكلف مليونًا أو أكثر من ذلك، لأنه قد صنع من معدن البرونز الثمين.. وفي هذا الليل الذي أرخى سدوله وزادت ظلمته وتباعد فجره، تفتقد الأمة إلى أمثال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.
نسب الشيخ وسيرته..
ترجم للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، كثير من المؤرخين والأدباء والكتاب وأصحاب التراجم والعلماء.. كثرة لم تقع إلا للأعلام المجددين، بل لو استقرأنا عدد التراجم للعلماء والأعلام في جميع الميادين الإسلامية من بعد عصره؛ لوجدنا أن ترجمة الشيخ تأخذ أعلى رقم من بين هذه التراجم، وقل أن تجد كتاب تاريخ أو تراجم لأهل عصره أو ليقظة المسلمين الحديثة وحاضر العالم الإسلامي، أو لآل سعود على الخصوص؛ إلا وتجد للشيخ ترجمة أو شيئًا منها.
نسبه
هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن سنيع بن نهشل بن شداد بن زهير بن شهاب بن ربيعة بن أبي سود بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
أما والدة الشيخ محمد ﵀؛ فهي بنت محمد بن عزاز بن المشرفي الوهيبي التميمي، فهي من عشيرته الأدنين. انظر: علماء نجد خلال ستة قرون للبسام (١/٢٦) .
فيقال: (المشرفي) نسبة إلى جده مشرف وأسرته آل مشرف، ويقال: (الوهيبي) نسبة إلى جده وهيب جد الوهبية، والوهبية يجتمعون في محمد بن علوي بن وهيب، وهم بطن كبير من حنظلة، وحنظلة بيت من بيوت بني تميم الأربعة الكبار. ويقال: (التميمي) نسبة إلى تميم أبي القبيلة الشهيرة، والتي ورد فيها ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب العتق (٣/١٢٢) وفي كتاب المغازي (٥/١١٥- ١١٦) ومسلم في فضائل الصحابة برقم (١٩٨) عن أبي هريرة واللفظ هنا لمسلم: عن أبي زرعة قال: قال أبو هريرة: لا أزال أحب بني تميم من ثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (هم أشد أمتي على الدجال)، قال: وجاءت صدقاتهم، فقال النبي ﷺ: (هذه صدقات قومنا)، قال وكانت سبية منهم عند عائشة، فقال رسول الله ﷺ: (أعتقيها؛ فإنها من ولد إسماعيل) .
ويتضح من سرد نسب الشيخ المتقدم أنه يلتقي مع نسب الرسول ﷺ في إلياس بن مضر.
ولا أريد أن أتوسع في الحديث عن أسرة الشيخ ﵀ حتى لا يخرج الموضوع عن أصله، ومن أراد التوسع في ذلك فليراجع الكتب التالية: عنوان المجد لابن بشر (١/٢٢ ٢٣، ٦٢ - ٦٣) وعلماء نجد للبسام (١/٣١٠ - ٣١١) والدكتور العثيمين في كتابه الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٢٤) .
مولده ونشأته العلمية
ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة ألف ومائة وخمس عشرة (١١١٥ هـ)، من هجرة المصطفى ﷺ، في بلدة العيينة على الصحيح. انظر: روضة الأفكار لابن غنام (١/٢٥) .
تعلم القرآن وحفظه عن ظهر قلب قبل بلوغه عشر سنين، وكان حاد الفهم وقّاد الذهن ذكي القلب سريع الحفظ، قرأ على أبيه في الفقه، وكان ﵀ في صغره كثير المطالعة في كتب التفسير والحديث وكلام العلماء في أصل الإسلام، فشرح الله صدره في معرفة التوحيد وتحقيقه ومعرفة نواقضه المضلة عن طريقه، وجد في طلب العلم وأدرك وهو في سن مبكرة حظًا وافرًا من العلم، حتى إن أباه كان يتعجب من فهمه ويقول: لقد استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام. انظر: روضة ابن غنام (١/٢٥) وعنوان المجد لابن بشر (١/٦) .
وهكذا نشأ الشيخ محمد بن عبد الوهاب نشأة علمية؛ فأبوه القاضي كان يحثه على طلب العلم ويرشده إلى طريق معرفته، ومكتبة جده العلامة القاضي سليمان بن علي بأيديهم، وكان يجالس بعض أقاربه من آل مشرف وغيرهم من طلاب العلم، وبيتهم في الغالب ملتقى طلاب العلم وخواص الفقهاء سيما الوافدين باعتباره بيت القاضي، ولا بد أن يتخلل اجتماعاتهم مناقشات ومباحث علمية يحضرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
أثر البيئة في توجيه الشيخ علميًا
لقد أبصر الشيخ البيئة من حوله بواقعها والناس في حياتهم ويدنهم على الغالب في تناقض وتصادم مع ما نشأ عليه من علم وما عرفه من الحق على بد أبيه ومن خلال مطالعته لكتب المحققين من علماء السلف الصالح، فما تعلمه في واد، والواقع الجاري من الناس على العموم والغالب في واد آخر.
ذلك أن البيئة في نجد على الخصوص كما هو سائر البلاد الأخرى على العموم بيئة جاهلية بيئة خرافة وبدعة امتزجت بالنفوس فأصبحت جزءًا من عقيدتها إن لم تكن هي عقيدتها.
ولاشك أن بيئة هذه عقيدتها مناقضة لما نشأ عليه الشيخ ولما تربى وتعلمه.. فكان لابد أن يخرج إلى هذه البيئة يعاملها بمقتضى سنة الله في خلقه، والشيخ بين أمرين:
إما أن يستسلم للبيئة ويصبح مثل الآخرين، وإما أن يصمم على محاربة الخرافة المنتشرة.. لكن قد اختار الشيخ ﵀ على أن يقوم لله قومة انصدعت لها جبال الجاهلية وتقطعت بها غيوم الباطل وشبهاته، فعزم على تنحية البدع من الحياة التي حوله، وإيقاظ النائمين وتنبيه الغافلين، والعمل على نشر الإسلام والنور من الكتاب والسنة وسيرة الصالحين.
رحلة الشيخ وطلبه للعلم
هنا توجه الشيخ للرحلة في طلب العلم؛ للتسلح بسلاح ماض قاطع؛ فإن إنكار الشيخ لهذه الأمور الشائعة جعلته في مواجهة مع علماء السوء وتلبيساتهم وشبهاتهم، وتأليب العامة عليه، وتهتمهم إياه بالانحراف والجهل، فكان كل ذلك يزيد من حرصه على تحصيل العلم وإدراك الحق؛ فلابد أن يرحل في طلب العلم وتحقيق ما شرح الله له صدره من حقيقة هذا الدين القيم.
رحل الشيخ إلى مكة والمدينة والبصرة غير مرة، طلبًا للعلم.. ولم يتمكن من الرحلة إلى الشام وعاد إلى نجد يدعوهم إلى التوحيد. راجع حول موضوع رحلات الشيخ المختلفة في طلب العلم وشيوخه الذين أخذ عنهم، كتاب: عقيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١/١٣٣ ١٧٤) .
ولم يثبت أن الشيخ ﵀ قد تجاوز الحجاز والعراق والأحساء في طلب العلم، أما ما تجاوز الحد من أنه سافر إلى الشام كما ذكره خير الدين الزركلي في الأعلام، وإلى فارس وإيران وقم وأصفهان كما يذكره بعض المستشرقين ونحوهم في مؤلفاتهم المعروفة بالأخطاء ومجانبة الحقيقة، فهذه الأشياء غير مقبولة؛ لأن حفيد الشيخ ابن حسن وابنه عبد اللطيف بن ابن بشر نصوا على أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يتمكن من السفر إلى الشام، أما ما يذكر من أنه سافر إلى فارس وغيرها من البلاد، فإن أغلبهم قد اعتمدوا على كتاب لمع الشهاب لمؤلف مجهول، قال علامة الجزيرة حمد الجاسر: ولا تفوت الإشارة إلى أن كثيرًا ممن كتبوا عن الشيخ محمد ﵀ انخدعوا بما جاء في كتاب لمع الشهاب،.. إلى أن قال: وهذا الكتاب الذي لا يصح التعويل عليه.. وبالإجمال؛ فقد حرص مترجمو الشيخ محمد على تدوين كل ما يتصل برحلاته وبأسماء العلماء الذين تلقى العلم عنهم، وبذكر البلاد التي زارها، ويكادون يتفقون على عدم صحة ما ورد في كتاب لمع الشهاب من ذلك. انظر: مجلة العرب (ج ١٠، السنة الرابعة، ربيع الثاني عام ١٣٩٠ هـ، (ص ٩٤٣ ٩٤٤) .
أم ما زعم أن الشيخ درس اللغتين الفارسية والتركية، والحكمة الإشراقية والفلسفة والتصوف ولبس جبة خضراء في أصفهان؛ فليس بثابت، بل إنه أمر باطل ويستبعد.. وليس في مؤلفات الشيخ وآثاره ما يدل على شيء من هذا.. ثم إن من ذكر ذلك عن الشيخ كان ممن انخدع بمثل كتاب لمع الشهاب. وقد رد على هذه الفرية العلامة حمد الجاسر انظر: نفس المرجع السابق (ص ٩٤٤) .
بعد مضي سنوات على رحلة الشيخ ﵀ في طلب العلم، عاد إلى بلدة حريملاء التي انتقل إليها والده بعد أن تعين عليها أمير جديد يلقب بخرفاش بن معمر والذي لم يرق له بقاء الشيخ عبد الوهاب في القضاء، فعزله عنه، فغادرها الشيخ عبد الوهاب إلى حريملاء وتولى قضاءها وأقام بها. فأقام الشيخ محمد بعد عودته من رحلته العلمية في حريملاء مع أبيه يدرس عليه ويدعو إلى التوحيد ويبين بطلان دعوة غير الله. انظر: الدرر السنية (١٢/٥) .
لقد ابتلي الشيخ ﵀.. فصبر على البلاء وثبت حتى جاوز الامتحان والابتلاء، وما ذلك إلا تأييد الله له بروح منه وتقويته لإيمانه.. وأمثلة ذلك في حياته كثيرة..
ولنأخذ مثلًا من أحوال الشيخ التي وقعت له؛ ففي حالة إخراجه من العيينة طريدًا منها كان سبب إخراجه ﵀ من العيينة هو أن ابن معمر خاف من حاكم الإحساء من أن يقطع عنه المعونة، فأخرج الشيخ ﵀ من العيينة وتوجه إلى الدرعية، فكان ابن معمر ممن آثر الدنيا على الدين وباع العاجل بالآجل لما تعارض في صدره أمر صاحب الإحساء وأمر الله تعالى -، قد افتقد كل حظ من حظوظه الدنيوية المباحة؛ افتقد ثقة الأمير وثقة الناس من حوله به وبما يدعو إليه من عقيد السلف الصالح، وافتقد المسكن والمكانة وجميع الحظوظ النفسية والغايات الدنيوية ومشى وحيدًا أعزل من أي سلاح ليس بيده إلا مروحة من خوص النخيل، لكن كان على ثقة من ربه، والله قد قوي إيمانه حتى صغر في ميزانه أمر صاحب الأحساء وخذلان ابن معمر له وفراق الوطن والمال والأهل والزوجة والمسكن وما بقي لديه سوى الإيمان القوي بصحة عقيدة السلف الصالح، وحسن الظن بالله.. لقد سار من العيينة إلى الدرعية يمشي راجلًا ليس معه أحد في غاية الحر في فصل الصيف لا يلتفت عن طريقه ويلهج بقوله تعالى ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث يحتسب﴾ ويلهج بالتسبيح.. فلما وصل الدرعية قصد بيت ابن سويلم العريني، فلما دخل عليه؛ ضاقت عليه داره وخاف على نفسه من محمد بن سعود، فوعظه الشيخ وأسكن جأشه وقال: سيجعل الله لنا ولك فرجًا ومخرجًا. انظر: عنوان المجد لابن بشر (١/١١) .
ثم انتقل الشيخ إلى دار تلميذ الشيخ ابن سويلم الشيخ أحمد بن سويلم، وهناك بدأ التزاور بين خصائص أهل العلم من الدرعية ولما علموا بثبات دعوة الشيخ وأنها على سبيل الرسول ﷺ أرادوا أن يشيروا على ابن سعود بنصرته، فهابوه، فأتوا إلى زوجته موضي بنت أبي وهطان من آل كثير وأخيه ثنيان.. وكانت المرأة ذات عقل ودين ومعرفة فأخبروها بمكان الشيخ وصفة ما يأمر به وينهى عنه، فوقر في قلوبهما معرفة التوحيد وقف الله في قلوبهما محبة الشيخ. روضة ابن غنام (١/٣) .
دخل محمد بن سعود على زوجته فأخبرته بمكان الشيخ وقالت له هذا الرجل ساقه الله إليك وهو غنيمة فاغتم ما خصك الله به، فقبل قولها ثم دخل على أخوه ثنيان وأخوه مشاري وأشاروا عليه مساعدته ونصرته.. أراد أن يرسل إليه، فقالوا: سر إليه برجلك في مكانه وأظهر تعظيمه والاحتفال به، لعل الناس أن يكرموه ويعظموه، فذهب محمد بن سعود إلى مكان الشيخ ورحب به وأبدى غاية الإكرام والتبجيل وأخبره أنه يمنعه بما يمنع به نساءه وأولاده.. قال: أبشر ببلاد خير من بلادك وأبشر بالعزة والمنعة، فقال الشيخ: وأنا أبشرك بالعزة والتمكين وهذه كلمة لا إليه إلا الله من تمسك بها وعمل بها ونصرها؛ ملك بها البلاد والعباد، وهي كلمة التوحيد وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم وأنت ترى نجدًا وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة وقتال بعضهم بعض؛ فأرجو أن تكون إمامًا يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك. عنوان المجد (١/١١ ١٢) .
وهكذا تم اللقاء التاريخي وحصلت البيعة المباركة على ذلك.. وأخذ الشيخ ﵀ بالدعوة والجهاد في سبيل إعلاء كلمة لا إله إلا الله..
ونتجاوز بعض الأمور من حياة الشيخ ﵀.. لأن الهدف من سرد هذه الأحداث ليس فقط طرح سيرة الشيخ أو ذكرها مفصلة.. وإنما الغاية والهدف هو الوصول إلى الحقيقة والتي نادى بها الشيخ ﵀.. ورد الشبه التي ألصقت بالدعوة وبصاحبها..
أما عن عقيدة الشيخ ﵀ فهي عقيدة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.. عقيدة الرسول ﷺ والتابعين لهم بإحسان.. عقيدة أئمة الهدى.. أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وابن عيينة والثوري وابن المبارك والبخاري وسلم وأبي داود وسائر أصحاب السنن وأهل الفقه وأثر ﵏..
يقول ﵀: ولست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم.. بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له وأدعو إلى سنة رسوله ﷺ التي أوصى بها أول أمته وآخرهم وأرجو أني لا أرد الحق إذا أتاني بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلها على الرأس والعين.. ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، وحاشا رسول الله ﷺ فإنه لا يقول إلا الحق. انظر للمزيد عن عقيدة الشيخ الإمام ﵀ كتاب: عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي للدكتور: صالح بن عبد الله بن عبد الرحمن العبود.
أما عن مؤلفات الشيخ فهي كثيرة جدًا نذكر بعضًا منها
قام الشيخ رحمه الله تعالى بتأليف عدد من الكتب والرسائل المهمة، وقد امتازت مؤلفات الشيخ ﵀ بالأسلوب القرآني المحض وأدلته كلها مأخوذة من القرآن والسنة، وذو أسلوب واضح لا يوجد فيه أي تعقيد، إلا أن اللغة ليست عالية جدًا كما نشاهدها عند ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) وابن القيم (ت ٧٥٦ هـ) .
وقد عرفنا من مؤلفات الشيخ الكتب التالية:-
١- كتاب التوحيد: وهذه الرسالة هي من أشهر مؤلفاته، والاسم الكامل هذا الكتاب هو: كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد. وذكر فيه الشيخ حقيقة التوحيد وحدوده، والشرك ومفاسده.
٢- كتاب كشف الشبهات: ونستطيع أن نسميه تكملة لكتاب التوحيد، والحقيقة أن جميع كتب الشيخ تتعلق بالتوحيد ويمكن أن يقال أنها كلها تكملة لكتاب التوحيد.
٣- كتاب الأصول الثلاثة: وهي معرفة الرب، ومعرفة دين الإسلام، ومعرفة الرسول، وهذه هي الأصول الثلاثة التي وضحت في هذه الرسالة في أسلوب جذاب.
٤- كتاب شروط الصلاة وأركانها: وقد شرحت هذه الرسالة شروط الصلاة وهي: الإسلام، والعقل، التميز، رفع الحدث وإزالة النجاسة، وستر العورة ودخول الوقت واستقبال القبلة، والنية، وذكرت أركان الصلاة وواجباتها.
٥- كتاب القواعد الأربع: حيث ذكر في هذه الرسالة بعض نواحي التوحيد على طريقة مؤثرة وسهلة.
٦- كتاب أصول الإيمان: وبين أبواب مختلفة من الإيمان بالأحاديث، ويظهر من عبارة في البداية، أن بعض أولاد الشيخ قد أضاف إليها، ونصها: وقد زاد فيه بعض أولاده زيادة حسنة.
٧- كتاب فضل الإسلام: وقد وضح فيه مفاسد البدع والشرك، كما وضح شروط الإسلام.
٨- كتاب الكبائر: ذكر فيه جميع أقسام الكبائر، واحدة واحدة، مفصلة في أبواب، وقد دعمت الأبواب كلها بنصوص الكتاب والسنة.
٩- كتاب نصيحة المسلمين: وهذا كتاب مستقل قد جمع فيه أحاديث تتعلق بجميع نواحي التعليمات الإسلامية.
١٠- كتاب ستة مواضع من السيرة: وهي رسالة مختصرة توضح ستة أحداث من السيرة النبوية، والمواضع الستة هي:
أ - ابتداء نزول الوحي.
ب - تعليم التوحيد والرد على الكفار.
ج- قصة تلك الغرانيق العلى.
د- ختام أبي طالب.
هـ منافع الهجرة وعظاتها.
وقصة الارتداد بعد وفاة الرسول ﷺ.
١١- كتاب تفسير الفاتحة: وهو تفسير موجز جدًا لسورة الفاتحة.
٢١- كتاب مسائل الجاهلية: وذكر فيه الشيخ مائة وإحدى وثلاثين مسألة خالف الرسول ﷺ فيها معتقدات أهل الجاهلية.
٣١- كتاب تفسير الشهادة: وهو تفسير لكلمة لا إله إلا الله، وقد ذكر فيها أهمية التوحيد في أسلوب آخاذ وواضح.
٤١- كتاب تفسير لبعض سور القرآن: وهي مجموعة لبعض تعليقات الشيخ على آيات وسور مختلفة من القرآن وقد استنبط عشرات من المسائل من آية واحدة، وهذه هي أهم مزاياها.
٥١- كتاب السيرة: وهو ملخص من كتاب السيرة لابن هشام.
٦١- الهدي النبوي: وهو ملخص لكتاب زاد المعاد للإمام ابن القيم ﵀.
وللشيخ عدة رسائل صغيرة أخرى غير ما ذكرنا، ولا أرى حاجة إلى ذكرها، وتوجد بعض هذه الرسائل في كتاب روضة الأفكار المجلد الأول الفصل الثالث والرابع. وانظر أيضًا حول مؤلفات الشيخ كتاب: محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم مفترى عليه (ص ١٣٥-١٤٤) . ونظر أيضًا كتاب: عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١/ ١٩١ ٢٣٥)، وقد فصل في خلالها القول في هذه الكتب وتحدث أيضًا عن الكتب التي نسبت إلى الشيخ مثل كتاب: أحكام تمني الموت، وكتاب:نصيحة المسلمين بأحاديث خاتم المرسلين، كذلك رسالة: أوثق عرى الإيمان.
وفاته الشيخ ﵀
في عام ست ومئتين وألف من هجرة المصطفى ﷺ (١٢٠٦ هـ) توفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، قال ابن غنام في الروضة (٢/١٥٤): كان ابتداء المرض به في شوال، ثم كان وفاته في يوم الاثنين من آخر الشهر.
وكذا قال عبد الرحمن بن قاسم في الدرر السنية (١٢/٢٠)، أما ابن بشر فيقول: كانت وفاته آخر ذي القعدة من السنة المذكورة. عنوان المجد (١/٩٥) . وقول ابن غنام أرجح؛ لتقدمه في الزمن على ابن بشر ومعاصرته للشيخ وشهوده زمن وفاته وتدوينه لتاريخه.
وكان للشيخ من العمر نحو اثنتين وتسعين سنة، وتوفي ولم يخلف دينارًا ولا درهمًا، فلم يوزع بين ورثته مال ولم يقسم. انظر: روضة ابن غنام (٢/١٥٥) .
للمزيد عن حياة الشيخ وسيرته انظر الكتب التالية
محمد بن عبد الوهاب لأحمد بن عبد الغفور عطار، وداعية التوحيد محمد بن عبد الوهاب لعبد العزيز سيد الأهل، وسيرة الإمام محمد بن عبد الوهاب لأمين سعيد، والشيخ محمد بن عبد الوهاب للشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي، والشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته وفكره للدكتور عبد الله الصالح العثيمين، والإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في التاريخ لعبد الله بن سعد الرويشد، والشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب حياته ودعوته للدكتور عبد الله يوسف الشبل، ومحمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم مفترى عليه لمسعود عالم الندوي ودعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب سلفية لا وهابية لأحمد بن عبد العزيز الحصين.. هذا عدا المصادر الأصلية مثل: تاريخ ابن غنام، وتاريخ ابن بشر وتاريخ ابن عيسى..
أما الرسائل الجامعية فقد كتب فيه على سبيل المثال: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي، رسالة دكتوراه للدكتور أحمد بن عطية الزهراني من قسم العقيدة في جامعة أم القرى، وعقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي، رسالة دكتوراه للدكتور صالح بن عبد الله العبود، من قسم العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.. ورسالة دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقد للأستاذ عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف، رسالة ماجستير.. ورسالة الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارهما في حياة الأمة للأستاذ علي بن بخيت الزهراني، رسالة ماجستير تحدث في الباب الرابع من رسالته عن الصحوة الإسلامية وكان موضوع الفصل الأول لهذا الباب هو أثر حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العالم الإسلامي وهو فصل مهم وقيم..

المصدر: موقع شبكة سحاب السلفية

1 / 302