Al-Muʿjam al-Jāmiʿ fī tarājim al-muʿāṣirīn
المعجم الجامع في تراجم المعاصرين
عمر بن محمد الفلاني
نبذة مختصرة عن السيرة الذاتية
العلامة المحدث (١) الشيخ أبومحمد عمر بن محمد الفلاني ﵀
*هو:
الفقيه المحدث المسند المفسر المؤرخ الأديب الواعظ العلامة المُربي.
*اسمه:
هو الشيخ عمر بن محمد بن محمد بكر الفلاني، الشهير بفلاته، والفلاني نسبة إلى قبيلة " الفلانة " المعروفة والمنتشرة في معظم أفريقيا الغربية، وينتهي نسبها على رأي بعض المؤرخين إلى عقبة بن نافع، أو ابن عامر، أو ابن ياسر ولعله عقبة آخر غير الصحابي الجليل فاتح أفريقيا.
ولادته: ولد شيخنا عام ١٣٤٥ هـ، على مقربة من مكة، خلال هجرة أبويه من أفريقيا، إذ مكثا في الطريق ما يقرب من سنة، وكان يقول (شاء الله أن يبتدئ الرحلة أبواي وهم اثنان، وتنتهي وهم ثلاثة) .
*نشأته التعليمية:
ثم انتقل إلى المدينة المنورة في العام الذي يليه عام ١٣٤٦ هـ، ونشأ فيها وترعرع وبدأ تعليمه بما يسمى آنذاك بالكُتاب، عند العريف محمد سالم، وحفظ على يديه الأجزاء الأولى من القرآن الكريم.
ثم دخل دار العلوم الشرعية بالمدينة عام ١٣٦١، ودَرَس فيها مراحلها الثلاثة: التأسيسية، والتحضيرية، والابتدائية،ونال منها الشهادة الابتدائية، وأتم حفظ القرآن الكريم، في المرحلة التحضيرية.
ثم نال شهادة الابتدائية، من مديرية المعارف العمومية، وهي أعلى مراحلها.
*الأعمال التي تولاها وأنيطت به:
- دَرس في دار الحديث عام ١٣٦٥ هـ.
- دَرس إضافة إلى ذلك عام ١٣٧٣هـ في الدار السعودية، كما عين مساعدًا لمديرها.
- دَرس الحديث وأصوله في " المعهد العلمي: من عام ١٣٧٥هـ - ١٣٧٨هـ.
- أُسند إليه إدارة " دار الحديث " عام ١٣٧٧هـ.
- كُلف بمنصب الأمين العام المساعد للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام ١٣٨٥هـ.
- عُين أمين عام الجامعة الإسلامية عام ١٣٩٥ هـ.
- كُلف على وظيفة أستاذ مساعد عام ١٣٩٦ هـ، ودرس في كلية الحديث بالجامعة الإسلامية مع قيامه بأمانة الجامعة.
- صار مدير مركز شؤون الدعوة في الجامعة الإسلامية.
- ثم عين مديرًا لمركز خدمة السنة والسيرة النبوية بالجامعة الإسلامية عام ١٤٠٦ هـ وتأسس المركز المذكور على يديه.
- بعد إحالته للتقاعد عام إلى " دار الحديث " التي يشرف عليها، وتفرغ لها.
*عنايته بدار الحديث واهتمامه بها:
قد أسس " دار الحديث " أحد علماء الهند، وهو الشيخ أحمد الدهلوي ﵀ وهو من علماء أهل الحديث، المتمسكين بعقيدة السلف، وكان قد افتتحها عام ١٣٥٤٠هـ، بترخيص من الملك عبد العزيز ﵀. وكان قد أوقف أحد المحسنين من الهند، وهو الشيخ محمد رفيع ﵀، مبنىً لدار الحديث بالقرب من المسجد النبوي الشريف. وسمي بـ " مكتبة أهل الحديث " و" مدرسة دار الحديث ".
وقد أخذ شيخنا " الشهادة العالية " من الدار نفسها، خلال تدريسه فيها عام ١٣٦٧ هـ، وكان ملازمًا لشيخه الجليل العلامة عبد الرحمن الإفريقي، الذي أُسندت إليه إدارة " دار الحديث " بعد وفاة الشيخ أحمد الدهلوي ﵀ عام ١٣٧٥هـ، ثم لما توفي الشيخ عبد الرحمن الإفريقي ﵀ عام ١٣٧٧هـ أسندت إدارة " دار الحديث " للشيخ عمر رحم الله الجميع رحمة واسعة.
ولما بدأ مشروع توسعة وعمارة المسجد النبوي الشريف، امتدت التوسعة إلى مقر وقف المكتبة والمدرس، فهُدِم الوقف، وجرى تعويض الدار بمبلغ مقابل ذلك، فاجتهد الشيخ عمر، المشرف علة الدار، لشراء أرض تقام عليها دار الحديث والمكتبة، فتم شراء أرض لذلك وبدأ العمل بالمشروع، بإشراف الشيخ عمر نفسه في ٩/٧/١٤١٣هـ إلى أن انتهى المشروع عام ١٤١٧، واصبح يحوي المدرسة والمكتبة " مكتبة أهل الحديث " والمسجد، وشعبة الحديث، وقاعة محاضرات كبرى تتسع لألف شخص ومبنى لسكن الطلاب، ومبنى لمراكز تجارية، ومبنى سمن الزوار، وسكن الناظر، ومواقف للسيارات.
وجاء المبنى روعة في الجمال، ونال لذلك جائزة المدينة في تصميم البناء وكان الشيخ ﵀ شديد العناية بالدار، وكانت لها منزلة ومكانة رفيعة عنده، وكان يحرض عليها، موجهًا ومربيًا ومشرفًا.
*شيوخه:
قال الشيخ ﵀ (أدركت ما لا يقل عن سبعين عالمًا يستندون إلى سواري مسجد رسول الله ﷺ، كانوا ورثة للنبوة حقًا)
*وأبرز شيوخه هم:
- الشيخ المحدث المسند محمد إبراهيم الختني - وهو من تلاميذ المحدث الشيخ محمد عبد الباقي الأيوبي المجني، ودرس عليه شيخنا في دار العلوم الشرعية، في المرحلة العالية وأجازه.
- الشيخ عمار الجزائري، درس عليه في المرحلة العالية أيضًا، في دار العلوم الشرعية.
- الشيخ يوسف بن سليمان الفلسطيني درس عليه في المرحلة نفسها.
- الشيخ العلامة صالح الزغيبي.
- الشيخ العلامة محمد علي الحركان ﵀ أمين عام رابطة العالم الإسلامي سابقًا، إذا قرأ عليه جزءًا كبيرًا من " صحيح البخاري " مع شرحه " فتح الباري "، وذلك أثناء تدريسه ف المسجد النبوي.
- الشيخ أسعد محي الدين الحسيني، قرأ عليه القرآن الكريم، زيادة في التمكن في الحفظ والأداء.
- الشيخ المعلم محمد جاتو الفلاني، قرأ عليه أكثر متون المذهب المالكي، وبعض شروحها فقرأ عليه " مختصر خليل " بشرح الدسوقي، و" أقرب المسالك " بعضها عليه وبعضها على الشيخ عمار الجزائري.
- العلامة اللغوي المحدث محمد بن أحمد تكنيه السوداني المدني، إذ قرأ عليه بعض كتب البلاغة، والنحو وأطراف من أصول الفقه.
- الشيخ العلامة المحدث المسند المؤرخ الأديب محمد الحافظ بن موسى حميد (٢) ﵀ وأجازه.
- الشيخ عمر بن علي الشهير بالفاروق الفلاني، وهو يروي عن جمع منهم:
١-الشيخ سيف الرحمن الكابلي.
٢-الشيخ محمد بن أحمد الشهير بألفا هاشم.
٣-الشيخ القاضي عبد الله بن حسن آل الشيخ سماعًا عليه غري مرة.
٤-الشيخ العلامة أبو إبراهيم محمد بن عبد اللطيف إجازة.
٥-العلامة الشيخ محمد بن نافع (٣)
- الشيخ العلامة المحدث عبد الرحمن بن يوسف الإفريقي ﵀ وهو أكثر شيوخه تأثيرًا في شخصيته، مما جعل الشبه بينهما كبيرًا، كما قال شيخنا العلامة عبد المحسن العباد - حفظه الله - في محاضرته عن الشيخ عمر.
وقلد قرأ على الشيخ عبد الرحمن " بلوغ المرام "، " سبل السلام " وبعض أمهات كتب الحديث و" الموطأ " لمالك، والتفسير، والمصطلح. وسمع منه فتاواه وإجاباته عن أسئلة المستفتين.
- العلامة المحدث المسند عبد الحق الهاشمي المكي مؤلف " مسند الصحيحين " و" إجازة الرواية ".
- العلامة الشيخ المحدث المسند سالم بن أحمد باجندان الحضرمي المحدث الشهير في أندونيسيا.
رحم الله الجميع رحمة واسعة آمين.
*أسانيده إلى كتب الفهارس والأثبات:
إن أسانيد شيخنا عمر تتصل بنبينا خير الأنام ﵊، وبالصحاح والسنن والأسانيد، والمعاجم والمشيخات، وبالأئمة الأعلام والحفاظ الكرام، ودواوين أهل الإسلام. كما هو مسطور في كتب الفهارس والأثبات والمسلسلات وغيرها.
إسناده إلى الموطأ:
نظرًا لمكانة الموطأ للإمام مالك ﵀ لدى الشيخ عمر ﵀ دراسةً وقراءةً على الشيوخ، ولتدريسه للموطأ ولقراءة طائفة من طلاب العلم عليه رأيت وصل سنده لحديث من " موطأ الإمام مالك " ﵀.
وهذا إسناده لحديث إلى رسول الله ﷺ رواية يحيي الليثي من روايته:
أخبرنا شيخنا عمر بن محمد فلاته إجازة، عن شيخه العلامة المحدث محمد بن إبراهيم بن سعد الله الفضلي الختني، عن العلامة محدث الحرمين عمر بن حمدان المحرسي، عن عبد الله بن عودة القدومي النابلسي، عن حسن الشطي الحنبلي، عن مصطفى بن سعد الرحيباني، عن الشمس محمد بن سالم السفاريني، عن أبي المواهب محمد بن عبد الباقي الحنبلي، عن أبيه عبد الباقي البعلي الحنبلي، عن أبي حفص عمر القاري والنجم محمد الغزي، كلاهما عن والد الثاني البدر محمد الغزي، عم زكريا الأنصاري، عن الحافظ ابن حجر العسقلاني، عن أبي حفص عمر بن الحسن بن مزيد بن أميلة المواغي، عن عز الدين أحمد بن إبراهيم بن عمر الفاروقي، عن أبي إسحاق إبراهيم بن يحيى الكناسي عن أبي الحسين محمد بن محمد بن سعيد بن زرقون عن أبي عبد الله أحمد بن غلبون، عن أبي عمرو عثمان بن أحمد القيجاطي، عن أبي عيسى يحيى عبد الله بن يحيى بن يحيى، عن عم أبيه مروان وعبد الله بن يحيى بن يحيى، عن أبيه يحيى بن يحيى المصمودي الليثي، عن الإمام مالك بن أنس الأصبحي عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال (إذا دُعي أحدكم إلى وليمة فليأتها) (٤)
وأما أسانيده إلى كتب الأثبات فهذه مختارات منها:
- إجازة الرواية للشيخ العلامة المحدث عبد الحق الهاشمي ﵀ يرويه شيخنا عن مؤلفه.
- الإرشاد إلى مهمات الإسناد، وإتحاف النبيه فيما يحتاج إليه المحدث والفقيه كلاهما للعلامة المحدث الشاه ولي الله الدهلوي ﵀.
يرويه شيخنا عن شيخه العلامة عبد الحق الهاشمي، عن شيخه المحدث أبي سعيد حسين بن عبد الرحيم، عن رئيس المحدثين السيد محمد نذير حسين، عن المحدث الشاه محمد إسحاق الدهلوي، عن جده من جهة الأم الشيخ عبد العزيز الدهلوي، عن أبيه الشاه ولي الله الدهلوي ﵏.
- صلة الخلف بموصول السلف للمحدث العلامة محمد بن سليمان الروداني.
يرويه بالإسناد السابق ولي الله الدهلوي، عن محمد وفد الله بن الشيخ محمد بن سليمان وأبي طاهر الكوراني، كلاهما عن والد الأول مؤلف الصلة.
- المعجم المفهرس للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ)
يرويه بالإسناد السابق إلى الروداني في " صلة الخلف " عن أبي مهدي عيسى السكتاني، عن المنجور، عن الغيطي، عن زكريا الأنصاري عن الحافظ ابن حجر.
ويرويه بالسند إلى الشوكاني في " إتحاف الأكابر " عن شيخه السيد عبد القادر بن أحمد، عن محمد حياة السندي، عن الشيخ سالم بن الشيخ عبد الله بن سالم البصري الشافعي المكي، عن أبيه، عن الشيخ محمد بن علاء الدين البابلي المصري، عن سالم بن محمد، عن الزين زكريا، عن الحافظ ابن حجر.
- إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر للعلامة القاضي محمد بن علي الشوكاني.
أجازه بما فيه الشيخ المحدث أبومحمد عبد الحق الهاشمي، عن الشيخ أحمد بن عبد الله البغدادي، عن الشيخ عبد الرحمن بن عباس عن الشوكاني ﵏.
- حصر الشارد غي أسانيد الشيخ محمد عابد السندي (ت١٢٥٧هـ)
يرويه عن شيخه العلامة المحدث عبد الرحمن بن يوسف الإفريقي، عن الشيخ محمد الطيب الأنصاري، عن الشيخ ألفا هاشم وعن الشيخ علي بن طاهر الوتري، وهو عن صاحب الثبت المشهور باليانع الجني للشيخ عبد الغني، عن مؤلف حصر الشارد.
ح كما أجازه بحصر الشارد شيخه العلامة محمد بن إبراهيم بن سعد الفضلي الختني - نزيل المدينة - وهو يروي عن الجم الغفير من الثقات كمعدة المفتين في بخارى سابقًا العلامة محمد إكرام بن عبد السلام والعلامة السيد عبد العزيز بن عبد الحكيم الطاقاني وشيخ الإسلام بفرغانة السيد ثابت بن شيخ الإسلام فيضي خالد والعلامة محمد عبد الباقي الأنصاري المدني والعلامة الشيخ عمر بن حمدان المحرسي الأصل المدني والمسند الحافظ السيد عبد الحي الكتاني والعلامة الأديب محمد بافضل الحضرمي، كلهم عن عالم المدينة في عصره، العلامة السيد المسند أبي الحسن نور الدين علي بن ظاهر الوتري، عن العلامة الشاه عبد الغني المجددي المدني وعن العلامة السيد محمد بن خليل المشيشي كلاهما عن المؤلف.
- قطف الثمر في رفع أسانيد المصنفات في الفنون والأثر للشيخ العلامة صالح بن محمد الفلاني المدني.
يرويه بالسند السابق إلى " حصر الشار "، عن الفلاني.
ح كما أجازه بما فيه الشيخ أبومحمد عبد الحق الهاشمي، عن الشيخ أحمد بن عبد الله البغدادي، عن الشيخين محمد بن عبد الله بن حميد المكي ونعمان الألوسي عن الشيخ محمود الأفندي البغدادي، عن الشيخ عبد الرحمن بن محمد الكزبري عن المؤلف.
*تدريسه في المسجد النبوي الشريف:
بدأ شيخنا التدريس في المسجد النبوي الشريف، عام ١٣٧٠هـ، حيث حصل على إجازة التدريس من رئاسة القضاء بالمملكة العربية السعودية، ودَرس ما يقارب ٤٩ سنة في المسجد النبوي، وكان درسه قريبًا من الروضة، بالقرب من مكبرية المؤذنين، وكان صوته يدوي في المسجد مِن بُعد، دون استعمال أجهزة تكبير الصوت.
وكان يحضر دروسه جمع كبير من طلاب العلم،ورواد المسجد النبوي، والزائرين والحجيج والمعتمرين، وكان يشد الحاضرين إلى كلامه لفصاحته وجودة إلقائه وتمكنه من ذلك.
ولقد سُجلت له دروس كثيرة من التي درّسها في المسجد النبوي، إذ بلغ عدد أشرطة شرحه لصحيح مسلم ٨١٧ شريطًا وهو كامل، وعدد أشرطة دروسه في تفسير ابن كثير للقرآن الكريم ٧٢٠ شريطًا - لم يتم، وعدد أشرطة شرحه لسنن أبي داود ٥٧٦ شريطًا - لم يتم، وعدد أشرطة شمائل الرسول ﷺ ٩ أشرطة، وعدد أشرطة سيرة الذهبي ١٣١ شريطًا، وهي كلها موجودة في مكتبة الحرم النبوي ومتاحة للانتفاع بها.
*الشيخ من أبرز رواد رجال التربية والتعليم بالمدينة:
يعد الشيخ من أبرز رجالات التربية والتعليم بمنطقة المدينة، وقد كان أحد العشرة الذين كرموا في حفل الرواد الأوائل، من رجال التربية والتعليم. بمنطقة المدينة ١٤١٦ هـ. وتسلم شهادة ودرعًا لذلك، من صاحب السمو الملكي الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز أمير منطقة المدينة.
*صفاته وأخلاقه:
كان شيخنا ﵀، يتمتع بمحاسن الأخلاق وأعلاها، حريصًا على نفع المسلمين، ومساعدتهم، مع التواضع الجم، والإكرام البالغ للضيفان، مع طلاقة الوجه عند اللقاء، مع حسن الاستقبال، بعبارات تدخل البشاشة على القلوب، فمن ترحيباته قوله (زارنا الغيث) إلى غير ذلك.
وكان يحب خدمة الناس، ولو كانوا صغارًا، مع أنه هو الجدير بالخدمة لفضلة وعلمه، وكبر سنه، وكان بهذه الأخلاق وغيرها محبوبًا عند من يعرفه ومن خالطه.
ولقد أثنى عليه شيخنا المحدث محمد بن ناصر الدين الألباني ﵀ في حسن جواره وخلقه الرفيع إذ تجاورا أثناء وجود شيخنا الألباني في الجامعة الإسلامية في المدينة للتدريس فيها.
كما يشهد له كل من تعامل معه في الجامعة، أو مركز خدمة السنة والسيرة، أو دار الحديث، أو خارج ذلك بطيب خلقه.
مع علامات طيب خلقه، سؤاله الدائم عن الإخوة والأهل والزملاء عند اللقاء أو الاتصال بالهاتف.
وكان من تواضعه أنه إذا كان في دار الحديث وأعوزه بحث في حدث ما، أو مسألة ما، اتصل هاتفيًا ببعض الإخوة في المركز، وهذا كله من سعة علمه وطيب خلقه وتواضعه، وأَنعِم به من مَدرسةٍ تربوية لمن خالطه وعاشره.
وكان الشيخ ﵀ حكيمًا في آرائه ونظراته الثاقبة، لعواقب الأمور، كما يعلم ذلك من عاشره في مخيمات الحج، ولجان التوعية، وغير ذلك.
وخلاصة القول كما يصف فضيلة الدكتور مرزوق الزهراني مدير مركز السنة والسيرة النبوية سابقًا (لقد كان الشيخ ﵀، مدرسة في خلقه، مدرسة في صلاحه، مدرسة في منهجه، مدرسة في تقواه ...) .
*أخلاقه مع المخالف:
كان شيخنا ﵀ يتمتع بخلق رفيع كما سبق، وكان هذا دأبه مع الذين لا يرتضي الشيخ منهجهم وطريقتهم، ولقد استطاع بفضل الله، التأثير على عدد من العلماء وغيرهم بهذه الأخلاق العظيمة، في تصحيح مسارهم إلى المنهج السديد المستمد من الكتاب والسنة، وخاصة تدريسه في المسجد النبوي الشريف.
*عقيدته ومذهبه:
كان شيخنا ﵀ ملتزمًا بما جاء عن الله عزوجل وعن رسوله، على منهج السلف الصالح، وداعيًا إلى ذلك، بحكمة بالغة، ويحث على معرفة الدليل، ويكره المناهج المخالفة لذلك الطريق.
*دعابته ولطافته:
كان الشيخ ﵀، مع سعة علمه وغزارته، وتواضعه وصلاحه ذا دعابة وملاطفة، مع أصحابه وتلاميذه، متأسيًا في ذلك بهدي النبي ﷺ، الذي كان يمازح، وكان لا يقول إلا حقًا. ومعلوم ما في المزاح الحق، من تطييب خاطر الآخر، والتوود إليه.
ومن أمثلة دعابته مع أحد تلاميذه - وهو ممن عنده زوجتان ويدرس في كليتين - إذا لقيه قال له (زوجتين والسكن في القِلتين والتدريس في الكُليتين) . وذكر شيخنا عبد المحسن بن حمد العباد حفظه الله أمثلة أخرى من دعابته في محاضرته.
*حجاته:
لقد وفق الله الشيخ للحج مرات كثيرة، إذ كانت حجته الأولى عام ١٣٦٥هـ، ومن ذلك العام لم يتخلف عن الحج إلى عام ١٤١٨هـ، إلا سنة واحدة، لتمريض مريض عنده، وكان عدد حجاته ٥٣ حجة كما كان كثير الاعتمار، جعلها الله متقبلة.
*مشاركاته في التوعية الإسلامية للحج:
لقد شارك في التوعية الإسلامية للحج، منذ عام ١٣٩٢هـ إلى عام ١٤١٨هـ، وكان دوره عظيمًا رائدًا في ذلك، كما يشهد له من خالطه وشاركه في هذا العمل.
*رحلاته:
لقد رحل الشيخ إلى بلاد عديدة، سواء عن طريق لجان الجامعة للتعاقد مع المدرسين والموظفين، أو عن طريق الدورات الصيفية، التي تعقدها الجامعة، أو للدعوة في كثير من البلاد.
ومن الدول التي وقفت عليها ممن سافر لها: مصر، سوريا، والأردن، ولبنان، والهند، باكستان، ودول إفريقيا.
*مؤلفاته:
كان شيخنا ﵀ ذا أعباء كثيرة، لم تدع له مجالًا كبيرًا للتأليف، إذ انشغاله بالتدريس اليومي في الحرم النبوي، وأعماله الإدارية وارتباطاته الإجتماعية القوية، لها عامل كبير في ذلك.
وأشرطة دروسه المسجلة في الحرم النبوي موجودة وقد سبق ذكرها إذ بلغ مجموعها الكلي ٢٢٥٣ شريطًا، وكذا محاضراته التي ألقاها في " الجامعة الإسلامية " في قاعة المحاضرات.
وأما كتبه أو مؤلفاته فالذي وقفت على ذكره ما يلي:
- بحث حول الحديث المدرج.
- بحث عن الإجارة.
- بحث عن تمور المدينة.
- لمحات عن المسجد النبوي الشريف.
- ذكرياتي في المسجد النبوي.
- ترجمة الشيخ عبد الرحمن الإفريقي ﵀ طبعت ضمن محاضرات الجامعة الإسلامية.
- جوانب من تاريخ المدينة نشرت في مجلة المنهل عام ١٤١٣هـ.
- دراسة عن جبل ثور مع بعض المحققين وقد نشرت في بعض الصحف في المملكة العربية السعودية.
*تلاميذه:
لقد لازم التدريس في المسجد النبوي منذ عام ١٣٧٠هـ إلى سنة وفاته، وحضر هذه الدروس واستفاد منها ولازمها في تلك الفترة عدد كبير ممن لا يحصيهم إلا الله عزوجل.
ولقد درس في الجامعة الإسلامية، في كلية الحديث، ولذا يعد هؤلاء من الذين درسوا عليه واستفادوا منه من تلاميذه، بل ندر أن يجلس مع الشيخ أحد سواء في مجال العمل الجامعة الإسلامية، أو في دار الحديث، أو في مجالات أخرى، إلا ويجد للشيخ فوائد جمة في حديثه، لسعة علمه، وطيب خلقه. والتلاميذ كما يقول شيخنا عبد المحسن العباد تلهج بذكر الشيوخ، والثناء عليهم، والدعاء لهم، وهي من عملهم المستمر الذي لا ينقطع.
وقلد قُرِئ علي شيخنا عدة كتب ومنها: ما قرأه عليه أخونا الشيخ خالد مرغوب (٥) المحاضر بالجامعة الإسلامية ابتداءً من ٦/٧/١٤١٥هـ إلى ١١/٦/١٤١٩ هـ حيث اشتد على شيخنا المرض.
وقلد قرأ عليه في هذه الفترة كل خميس إلا لعارض موطأ الإمام مالك برواية يحيى الليثي بشرح أوجز المسالك في قرابة سبعين مجلسًا، كما قرأ عليه تاريخ المدينة لابن شبه.
كما قرأ عليه القسم الخاص بالمدينة من كتاب " تاريخ المدينة " لابن شيبه في ١٨ مجلسًا وشارك في المجلس الخامس إلى نهايته ابن شيخنا الدكتور محمد وصديقه الأخ عبد الفتاح، كما سمع بعض هذه المجالس - بفَوْت - الأخ أنس ابن الشيخ كما حضر الأستاذ ابراهيم مرغوب المجلس السابع.
كما استعرض كتاب " آثار المدينة " للشيخ عبد القدوس الأنصاري في مجلس.
وقد قرأ عليه شيئًا من " شرح السنة " للبغوي المجلد الأول إلا قليًا منه بمشاركة الشيخ خالد عثمان الفلاني.
وأما تلاميذه في الإجازة فممن روى عن الشيخ وأجازهم عدد كبير أيضًا منهم:
-الدكتور عمر حسن فلاته، عضو هيئة التدريس بكلية التربية بجامعة الملك عبد العزيز.
-الدكتور صالح الرفاعي، الباحث بمركز خدمة السنة والسيرة النبوية بالمدينة.
-الدكتور عبد الغفور عبد الحق البلوشي، الباحث بالمركز المذكور.
-الشيخ عبد الحكيم الجبرتي، مدرس في ثانوية الأنصار بالمدينة.
-الشيخ خالد مرغوب أمين، محاضر بالجامعة الإسلامية.
-الشيخ نور الدين طالب.
-الشيخ حامد أحمد أكرم
وممن تشرف بذلك كاتب هذه السطور.
*صلته بأهل العلم وصلتهم به:
وكان ﵀ علي صلة وثيقة بأهل العلم، وممن كانت تربطه علاقة قوية بهم: كل من العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، والعلام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀، والعلامة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد حفظه الله تعالى.
ولقد كانت العلاقة بين الشيخين: ابن باز وعمر- رحمهما الله وغفر لهما - قوية، وهي محل ثقة كبيرة، واهتمام بالغ بين الجانبين، فيما يكتب أحدهما للآخر. ولقد سعى الشيخ ابن باز لدار الحديث كثيرًا فيما وصلتْ إليه من جوانب عدة، ولقد كان الشيخ عمر أمين عام الجامعة الإسلامية في عهد رئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز للجامعة الإسلامية، غفر الله لهما.
وأما العلاقة بين الشيخين: الألباني وعمر - رحمهما الله وغفر لهما -، فكانت وثيقة جدًا، سواء خلال عمل الشيخ الألباني في التدريس في الجامعة، ومجاورة الشيخ ناصر للشيخ عمر، أو بعد ذلك، خلال زيارات الشيخ ناصر للعمرة والزيارة.
وأما الصلة بين الشيخين: عمر وعبد المحسن العباد، فهي في غاية القوة، إذ تصاحبا في الاشتراك في القراءة على الشيخ عبد الرحمن الإفريقي، وكان الشيخ عمر أمن عام الجامعة في عهد رئاسة الشيخ عبد المحسن العباد أيضًا، وتصاحبا في أسفار الشام ومصر، ضمن لجان تعاقد الجمعة مع أعضاء هيئة التدريس، إضافة إلى التصاحب في توعية الحج سنين عديدة. كما إن الصلة والتواصل، لم تنقطع بينهما، فكان أحدهما يزور الآخر، ويتصل كل منهما بالهاتف بالآخر، وكانت لوفاة الشيخ عمر ﵀ الوقع الكبير لدى شيخنا عبد المحسن العباد حفظه الله ومتع المسلمين بعلمه، إذ ألقى محاضرة خاصة قيمةً عن سيرة الشيخ ومعرفته به في قاعة المحاضرات الكبرى بالجامعة الإسلامية بالمدينة، فجزاه الله خيرًا.
*غيرته على الدين:
كان الشيخ عمر ﵀، غيورًا على محارم الله، وعلى واقع المسلمين، من بالبعد عن التوحيد، وعلى ما آل إليه المسلمون في بعض البقاع، من ذلك وهوان، وإلى سيطرة الكفرة على بعض دول الإسلام.
وهذا نصُّ مما كتبه الشيخ عمر بقلمه إلى الأستاذ محمد المجذوب - رحمهما الله - في عام ١٣٩٧هـ مما تتضح في مشاعر الشيخ عمر:
".... هذا ولما كان الحال ما وصفت، والواقع ما ذكرت، وإني عازم السفر إلى أودية عَمان وجبالها، بعد يومين. وأنتم تعلمون أنها أقرب إلى مدينة الرسول ﷺ، ولا حرج علي إن صعدت بعض مرتفعاتها، ورميت ببصري إلى تلك الديار الفيحاء عَلي أشاهد ما تتوق إليه الأرواح، وتعمل إليها المطي، وتسكب عندها العبرات، فإن ذلك ممكن ويسير، إذ إن للأرواح سموًا وتحليقًا، فبلغ به أعلى الآفاق ... ويا لحسرتي وندامتي وأسفي على قومي وبني ملتي.. فلقد أجلتهم اليهود عن المسجد الثالث القريب، ومنعتهم من تمريغ جباههم لله في منازل الخليل، ومسجد إيلياء والجليل.. وما ذلك إلا أنهم غيروا وبدلوا، وشابهوا أحفاد القردة والخنازير، وولوا واستكبروا - وقد تركهم آخر النبيين وخاتم المرسلين على المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزغ عنها إلا هالك، ولا أرى مانعًا من أن أقحم جملة معترضة - فليتك علمت شعوري الفياض، وسموي إلى أفكار نقلتني إلى أيام أبي عبيدة وخالد سيف الله - وذلك عندما أتيت من حلب وأنا في حافلة - الباص - وكنت أقول: أين عاشوا؟! وكيف عاشوا؟! وماذا بنوا وشادوا؟! وأي تمثال أو نافورة أقاموا أو حديقة حازوا؟! وبماذا استولوا على قلعة حلب وسمعان؟! وكيف أشاعوا الإسلام في الأديرة هذه التي رأيت؟! - قلت في نفسي: نعم أقاموا صروحًا لا تندك، وبنوا جبالًا شامخة لا تحيد، وهي قواعد الإيمان وبيوت الإسلام والإحسان ...
ورحم الله عمر الفاروق، الذي أجلى اليهود من جزيرة العرب، وطردهم إلى فدك وأذرعات، عندما سمع حديث عبد الرحمن بن عوف " لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ". ويا ليتها تسعد بلفتة من لفتات عمر، وتحظى بوثبة من وثبات صلاح الدين وابن يوسف ونور الدين ... " انتهى
*تأثره بالأدب:
لقد كان الشيخ ﵀، أديبًا بارعًا، يعلم ذلك كل من استمع إلى محاضراته ودروسه، والرسالة الماضية طرف من أدبه، ويقول الشيخ ﵀ عنه نفسه في ذلك:
" أعترف بأن هذه الهواية قد تفتحت في كياني، منذ نعومة أظفاري، أيام دراستي لمادة التعبير، في مدرسة العلوم الشرعية، وقد غذاها ذلك النادي الذي كانت تعقده المدرسة كل أسبوع، فيحضره الطلاب والأساتذة، ويتبارى فيه الوعاظ والخطباء، أمثال الأستاذة عبد القدوس الأنصاري، وأحمد حوحو، وعبد الحميد عنبر، ومحمد الحافظ موسى، وعبد الرحمن السوداني، وغيرهم من المعروفين بموهبة البيان في المدينة المنورة أيامئذ، فكان لذلك أثره العميق في نفسي، مضافًا إلى تلك النصوص المختارة، من الشعر والنثر، التي كنا ندرسها بشغف.
ومن حسن الحظ، أن نعيش ذلك الجو في ظل الحركة الأدبية التي بلغت عنفوانها في تلك الأيام، إذا بدأ أدباء الحجاز في إمداد الأندية الأدبية بنتاجهم، وجعلوا يشاركون في نهضة الأدب على مستوى العالم العربي، فكانت الصحف تطلع علينا بجداول رقراقة من الشعر والنثر والنقد، فيتهافت عليها القراء الناشئون.. هذا إلى جانب الفيض الغزير من الصحف والمجلات والمؤلفات، التي يمطرنا بها القطر المصري ومنها " الهلال " و" اقرأ " و" كتب للجميع " و" الرسالة " و" الرواية " و" الإصلاح " و" الأزهر " و" المصري " و" الأخبار " وما إليهن من ورافد الأدب الرفيع.. " انتهى.
*من ثناء العلماء عليه:
لقد أثنى العلماء كثيرًا على الشيخ ﵀ ومن ذلك:
- ثناء شيخنا العلامة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني على خلقه وحسن جواره وعلمه، بل لما سألته عام ١٣٩٦هـ أو عام ١٣٩٥هـ عمن أستفتي فأرشدني ﵀ إلى استفتاء الشيخ عمر ﵀.
- ثناء شيخنا العلامة عبد المحسن بن حمد العباد - حفظه الله تعالى - الثناء البالغ عليه في محاضرته التي ألقاها بعنوان " كيف عرفت الشيخ عمر فلاته ﵀ " ووصفه بأنه الرجل العظيم، العالم الناصح، الموجه، صاحب الأخلاق الكريمة، والصفات الحميدة. وأنه على منهج السلف الصالح ملتزم بما جاء عن الله ﷿ ورسوله ﷺ. ورأى - حفظه الله فيه - منذ لقائه الأول للشيخ عمر عام ١٣٨١هـ عندما سمع بالشيخ حين قادم للمدينة وكان اسمه يتردد على سمعه - من أول وهلة محبة الخير للناس، والسماحة واللطف وقال: ودخل حبه قلبي.
*وفاته:
كان من أحب أماني شيخنا. أن يحقق الله له مثل مصير عمر الفاروق ﵁ شهادة في سبيل الله، وميتة في مدينة رسول الله ﷺ.
وكان كثيرًا ما يستمع إلى أبويه وهما يترنمان بهذين البيتين:
إلهي نجني من كل ضيق *** بحب المصطفى مولى الجميع (٦)
وهب لي في مدينته قرارًا *** ورزقًا ثم مثوى في البقيع
ولقد حقق الله له أمنيته في الوفاة في المدينة، إذ لما مرض، وكان يراجع للعلاج في الرياض، عاد منها إلى المدينة يوم الثلاثاء، ووافه الأجل المحتوم يوم الأربعاء ٢٩/١١/١٤١٩ هـ في مدينة المصطفى ﷺ رزقنا الله وإياه شفاعته - عن عمر يناهز أربعة وسبعين عامًا.
ولقد صلى عليه في المسجد النبوي، بعد صلاة العصر، ودفن بالبقيع، وكانت جنازته عظيمة مشهودة، شهدها العلماء والقضاة، وأساتذة الجامعات، وعدد كبير من الأصحاب وطلاب الجامعات، والمحبين والحجيج.
*ذريته:
توفي الشيخ ﵀ عن زوجة واحدة، وسبعة أبناء وهم: الدكتور محمد عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية بالمدينة، والأستاذ عبد الرحمن المدرس بالمعهد المتوسط بالجامعة، وعبد الهادي، وعبد الصبور، وعبد الكريم، وعبد الرزاق، وأنس، وابنتان جعلهم الله جميعًا من أئمة المتقين.
*مكتبته:
لقد أوقف شيخنا أبومحمد ﵀ مكتبته الخاصة على دار الحديث بالمدينة، وقد تم نقلها بعد وفاته إليها فجزاه الله خيرًا، ونفع بها روادها.
*رثاؤه:
لقد رثاه عدد من الشعراء ومن ذلك ما نظمه الأستاذ الدكتور عبد الله بن أحمد قادري الأهدل عندما بلغه نبأ وفاة فقيد العلم بمدينة النبي ﵊ فضيلة الشيخ عمر بن محمد فلاته، المدرس بالروضة الشريفة ومدير دار الحديث بالمدينة بعنوان:
جلَّ المُصابُ
أفنيت عُمركَ في الخيراتِ يا عُمرُ *** ولمْ تزلْ ساعيًا حتى أتى القدرُ
شمرتَ تطلبُ علمَ الشرعِ مُحتسبًا *** فنلتَ منهُ الذيْ قدْ كُنتَ تنتظرُ
ثُمَّ اتجهتَ لنشرِ العلمِ مُجتهدًا *** تهديْ الشبابَ الذيْ في الأرضِ ينتشرُ
وكُنتَ في الدارِ (٧) للطلابِ خيرَ أبٍ *** وخيرَ شيخٍ يُواسيهمْ ويصطبرُ
وروضةُ الخيرِ (٨) كمْ أصغتْ بِها أٌذٌنٌ *** وأنتَ تشرحُ ما يقضيْ بِهِ الوطرُ (٩)
وكُنتَ للبازِ (١٠) عَونًا في قِيادتِهِ *** سفينةُ العلمِ والتاريخِ مُسْتَطِرُ
وجُلتَ في مَشرِقِ الدُّنيا ومَغْربها *** تسقيْ القلوبَ هدىً كالمزنِ ينهمرُ
لقد عرفتُك في الأسفارِ عنْ كثبٍ *** أبدى خلالكَ لِيَ يا شيخنَا السَّفَرُ
حلْمٌ ولينٌ وإيثارٌ ومرحمةٌ *** وذِلةٌ أصلها القرآنُ والأثَرُ
كانت رياضكَ والقرآنُ بُغيتُنا *** تسعينَ (١١) فجرًا فطاب الغيثُ والثَّمرُ
سَالتْ دُموعكَ في الحمرا وقرطبةٍ *** على مآذِنَ تنعاك والأفلاك والقمرُ
جلَّ المصابُ وعمَّ الخطبُ يا عمرُ *** فالأرضُ تبسطُ منْ علمِ وتختصرُ
والدارُ قد أظلمتْ أرجاؤُها حزنًا *** وطالبو الدار كالأيتامِ قد وُتِروا
وأطرقَ الغربُ مثل الشرق أسفٍ *** على فِراقِك إذ وافى بهِ الخبرُ
ونحنُ ننعاك للدنيا وواجبُنا *** أن نرتضيْ مَا بهِ قدْ أُنزل القدرُ
فالموتُ حقٌّ وما في الخلقِ منْ أحدٍ *** بمُفلتٍ منهُ لا جِنٌّ ولا بشرُ
والله نسألُ أن تغشاك رحمتُه *** وأنْ تنال الرضا والفوزَ يا عُمرُ
ولقد رثاه الشيخ إبراهيم جالو محمد الطالب بالدراسات العليا بالجامعة الإسلامية في منظومة بعنوان:
وداعًا لعالم الروضة
للهِ في الخلق ما وَّفى وما يذرُ *** هو المُميت كمَا قد أثبتَ الخبرُ
لا شيء يْبقى إذا ما جاءه أجلٌ *** ولا يُعجلُ إن لمْ يأتِهِ القدرُ
إن الحياةَ وإن طالت مُطيبةً *** للمرء يومًا أتاهُ الموتُ أو ضررُ
هي الدُّنا إنِّها دارٌ مزخرفةٌ *** أعظمْ بهَا غررًا ما فوقهُ غررُ
أين النبيونَ أتقى الناس قاطبةً *** قدْ غادروا ساحةَ الدنيا وما انتظروا
وأين أصحابهم أبطالُ أُمتهمْ *** خيرُ البريةِ إنْ غابُوا وإنْ حضروا
أينَ الرسولُ رفيعُ الشأن ذُو كرم *** وأين صاحبُهُ الصديق أو عمرُ
وأين عثمانُ ذُو النورين بعدهمُ *** أو أينَ عليٌّ كلُّهمْ غبَرُوا
لله دركَ حيًاّ كنتَ يا عمرُ *** أو بعدَ موتٍ فما ألهاكمُ الغُررُ
إن الذي وهَبَ المُختارَ روضتهُ *** أعطاكَ منْ عِندهِ خيرًا لهُ أثرُ
الكُلُّ يمْدحكمْ قبلَ الوفاة كَذَا *** بعد الوفاةِ، فلنْ ينساكم البشرُ
أسستم الخير في دارِ الحديثِ على *** نهج النبيِّ، وأس الخير مُنتصرُ
حاربتُم الشرَّ من شركٍ ومنْ بدع **حتى يُرى الحقُّ حقًاّ وهوَ يزدهِر
نشرتُم العلمَ دهرًا في مجالسِكمْ *** طُوبى لسعيكم المشكور يا عُمرُ
العالمُ الجهبذُ النحريرُ ذُو كرمِ *** أفعالكمْ عظةٌ أقوالكم دررُ
قال النبيُّ وقال الله ديدنكمْ *** لا قالَ غيرُهُما جنٌّ ولا بشرُ
يا حلقةَ العلم غابتْ كنت قائِدها *** قدْ زانها الجِدُّ والأخلاقَ والعبرُ
منْ ذا لدارِ الحديثِ الغُر بعدكمُ *** ومن لروضتنا قد غِبتُمُ عُمرُ
من للصحيحن يا فاروقُ بعدكمُ *** وللمواعيظِ والتحديثِ مُنتظرُ
أو من لدرسِكُمُ بعدَ الصلاةِ إذا *** جمعٌ غفيرٌ من الطلابِ قد حضروا
لله قبرٌ حوى في طيهِ قَمَرًا *** أعظم به خطرًا ما فوقه خطرُ
لم يُخطئ المرءُ فيما قالهُ أملًا *** تبكي على عُمرَ، الروضُ والحُجرُ
يا آل فلاةَ صبرًا نِلتم أجرًا *** على الهموم، وخيرُ الناس مُصطبرُ
سلمْ وصَلِّ على خير الخلائق يا *** ربِّ الخلائِق من يُفني ومنْ يَذَرُ
رحم الله شيخنا العلامة المحدث أبا محمد عمر بن محمد فلاته
رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته ورزقه شفاعة نبيه محمد ﷺ وجمعنا معه في دار كرامته والحمد لله رب العالمين
--------------------
[١] انظر لترجمته " علماء ومفكرون عرفتهم " للشيخ محمد المجذوب ﵀ ت ١٤٢٠ هـ.
-محاضرة مسجلة للعلامة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد ألقيت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بعنوان: كيف عرفت الشيخ عمر ﵀.
- نشرة تعريفية بدار الحديث أعدها الشيخ عمر نفسه
- مقالة للأستاذ عبد الله بن عبد الرحيم عسيلان، نشرت في جريدة المدينة
- مقالة للأستاذ ناجي محمد حسن الأنصاري، نشرت في جريدة المدينة
- إجازة الشيخ لتلاميذه
[٢] وسأترجم له فيما بعد إن شاء الله.
[٣] شيوخه مذكورون ضمن إجازته المكتوبة للشيخ عمر فلاته ﵀ في ثبته (عقد اللآلي في الأسانيد العوالي " طبع سنة ١٣٧٩هـ.
[٤] انظر " مختصر رياض أهل الجنة بآثار أهل السنة " لعبد الباقي البعلي الحلبي ص٧٩، ومقدمة الناشر، و" إتحاف الإخوان باختصار مطمح الوجدان في أسانيد الشيخ عمر حمدان " ص ١٠٣-١٠٤
[٥] وجزاه الله خيرًا على هذا التفصيل الدقيق على طريقة المحدثين وعلى إفادتي ببعض المعلومات عن الشيخ ﵀.
[٦] هذا من التوسل المشروع بالأعمال الصالحة، وهو من المرغوب فيه، كما في حديث أصحاب الغار وغيره.
[٧] دار الحديث بالمدينة
[٨] روضة المسجد النبوي التي كانت غالب دروسه بجوارها
[٩] إشارة إلى نيل الأوطار الذي استمر في تدريسه، وكذا سبل السلام، وكثير من أمهات السنة.
[١٠] سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
[١١] إشارة إلى الأيام التي قضيتها معه في السفر في رحلتين قرر رسميًا - لكل رحلة منهما ٤٥ يومًا وقد كانت في الواقع أكثر من ذلك.
http://saaid.net/Warathah/1/sadi.htm
----------------
بواسطة العضو ابو ابراهيم الكويتي
1 / 242