299

Al-qawl al-mubīn fī sīrat Sayyid al-Mursalīn

القول المبين في سيرة سيد المرسلين

Publisher

دار الندوة الجديدة بيروت

Publisher Location

لبنان

Regions
Egypt
لقد علمت الخزرج ما كان بها من أحد أبر بوالده مني، وإني لأخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل رجلًا مؤمنًا بكافر فأدخل النار١.
ويا له من موقف رائع تتمثل في قوة العقيدة وسمو التفكير، وكيف يتغلبان على العاطفة والوجدان، ويا لها من محنة عصيبة وامتحان رهيب قدرهما الله على هذا الابن البار، فاجتاز المحنة ونجح في الاختبار.
وكانت إجابة الرسول ﷺ بعد ذلك هي المثل الأعلى في العفو والصفح الجميل، وهي النبراس الذي يضيء طرق الخير ويهدي إلى سواء السبيل، وهي خير مكافأة لكل مؤمن يرتفع بإخلاصه إلى هذا المستوى الكريم، ذلك بأنه قال له: " إنا لا نقتله، بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا".
وهكذا أحسن الرسول ﷺ إلى من أساء إليه، وترفق بهذا الذي ألب أهل المدينة عليه وعلى أصحابه وعفا عنه، فكان رفقه وعفوه أبعد أثرٍ من عقوبته لو أنه أنزلها به، فقد كان عبد الله بن أُبي بعد ذلك يدين بالجميل لرسول الله ﷺ وكان إذا جد الجد لا يستطيع أن يرفع رأسه آمرًا أو ناهيًا متحكمًا في أحد من المسلمين، لأنهم جميعًا كانوا يشعرون بأن حياته هبة من محمد ﷺ وكان قومه كثيرًا ما يشعرونه بهذه المكرمة التي تفضل بها محمد ﷺ عليه.
وقد تحدث الرسول ﷺ مع عمر بن الخطاب في شأن عبد الله بن أُبي فقال له: "كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته". فقال عمر: لقد -والله- علمت لأمر رسول الله ﷺ

١ انظر المراجع السابقة التي أوردناها أول الغزوة.

1 / 302