وبجانب ما كانت الأمة تتبرك بهم كانت تقومهم وتستوضحهم. فما كان المسلمون أيامهم يولون غير الصحابة في الأحداث والملمات والمهمات، ومنها المعارك في الفتوحات.
لقد نقل هؤلاء الصحابة صيغ السيرة النبوية الشريفة التي تلقوها من الرسول الكريم ﷺ، وهم وإن لم يبلغوا القمم النبوية التي كان عليها رسول الله ﷺ إلا أنهم تلقوا عنه وجلسوا على أعلى قمة يمكن أن يصلها إنسان بعد النبي الكريم ﷺ بهذا الدين. وتجد فيهم نكهة تلك الثمار ولألاء تلك الأنوار وعبق ذلك الإزهار، طبعا في النوع وليس في الدرجة، ليبقى هو ﷺ القدوة دوما، ليس للأجيال التالية بل حتى لجيل الصحابة الكرام الذي رباه الرسول الكريم ﷺ بالعلم والعمل والتقويم والتوجيه، أليس هو الأسوة للأمة، بكل أجيالها، حتى الصحابة الكرام؟ فكان الصحابة الكرام يستقون منه ﷺ بكل ترتيب واعتبار وحال، سواء في الإقبال على توجيهاته والأخذ بتعليماته أو بالإسراع إلى محاكاته. ووصلوا إلى حد أنه مجرد الإشارة يسارعون إليها متنافسين. وتربوا على ذلك مستمدين من مائدة القرآن الكريم وبيده الكريمة ﷺ. فإذا ذكر شيئا حاثا بشكل عام سارعوا إليه، ولا تكاد تجد استثناء.
انظر مثلا بيعتهم في الحديبية! فهذا عمير بن الحمام، فانظر ما فعل في معركة بدر. بل إن أحدهم يسأل عما يقربه إلى الله ﷾ أكثر، لا يسأل عن تكاليفه مهما كانت حتى لو بذل نفسه، مقبلا غير مدبر. بل ويستقلها، كما قال خبيب حين أتوا به للقتل. استمع إلى قصة عوف بن الحارث «١» .
إن أمر هذه السيرة عجيب، كيف وقد صرّفها الله تعالى وجعلها تحتوي الإسلام كله، مطبقا عمليا مرسوما في الحياة قام به أفراد ومجتمع وتمثّله ومثّله. وإذا نظرت فيها جيدا وجدت يد الله العلي القدير كانت توجهها وترعاها وتسيرها حيث يريد سبحانه لتحقيق هذا الأمر.
(١) انظر عن كل ذلك: أعلاه.