367

Al-sīra al-nabawiyya: Manhajiyyat dirāsatihā wa-istirāḍ ḥadathihā

السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها

Publisher

دار ابن كثير

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٠ هـ

Publisher Location

دمشق

فما القول في أن ينتصر جمع قليل- هم حفنة- بخبرة محدودة، إن وجدت، وبإمانيات ضعيفة ومهيّات أولية، على جموع مؤلّفة ضخمة، ذات خبرة ومجد تاريخي قديم وعدة متقدمة عالية، هي أشبه بالدول الغربية اليوم التي تمتلك التقنيات بل والخطط والخبرات، تجعلها مترقية متقدمة تأخذ بالمبادرة.
كانت تلك الجولات تقوم وتتم أيضا في أرضها التي تعرفها وتجيد هي الانتفاع بأحوالها وتضاريسها وأجوائها ومناخها، مع روح معنوية عالية، مستهينة بهذه الحفنة القليلة. ومع ذلك يكون الانتصار لهذه الحفنة القلة، والاندحار للكثرة بكل إمكانياتها.
لو أن هذا جرى في معترك واحد فهو يشير إلى سر كامن، فيه المؤشر على نوعية هذه القلة. فكيف إذا استخرجنا قاعدة لا نكاد نجد لها شذوذا أو تخلفا أو توقفا، هو أن جميع المعارك ومع كافة الأقوام- ابتداء من سيرة رسول الله الكريم ﷺ كان عدد المسلمين أقل وعدتهم وخبرتهم وكل المتطلبات اللازمة في تلك المواجهات والمعتركات، ومع ذلك يكون لهم الانتصار. والحقيقة أن هذا كان من بعد الهجرة النبوية الشريفة وعلى مدار التاريخ.
ربما يمكنني أن أقول: إن هذا نفسه كان في العهد المكي، وإن لم تكن فيه مثل تلك المعتركات- وإن كانت بحاجة إلى قوة إيمانية لا تقل عن تلك- لكن الحقيقة أن كان الانتصار الباهر النادر للمسلمين.
أية قوة امتلكتها هذه المرأة المسلمة، جارية بني مؤمّل- حي من بني عديّ بن كعب- ومن أين أتتها وهي أمة (عبدة) تباع وتشترى وتضرب بالعصا أو بالحربة قتلا، إذا اقتضى (كما جرى لسمية أم عمار بن ياسر) .
فكان عمر بن الخطاب يعذبها كل يوم- قبل إسلامه طبعا- حتى يملّ فيقول لها: ما تركتك رحمة بك بل مللا منك، فتقول له: ستبقى كذلك

1 / 380