141

Al-Radd al-jamīl ʿalā al-mushakkikīn fī al-islām min al-Qurʾān waʾl-Tawrāt waʾl-Injīl waʾl-ʿilm

الرد الجميل على المشككين في الإسلام من القرآن والتوراة والإنجيل والعلم

Publisher

دار المنارة للنشر والتوزيع والترجمة

Edition

الثانية

Publication Year

١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م

Publisher Location

المنصورة - مصر

وروى إمام أهل السنة، الإمام أحمد، عن عبد اللَّه بن عمر: ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها، ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا"
لذا روى عن عمر بن الخطاب قوله: لو لبث أهل النار في النار قدر رَمْل عالج (اسم مكان كثير الرمال) لكان لهم يوم يخرجون فيه.
ونقل هذا عن ابن مسعود، وأبي هريرة.
قال ابن تيمية: وهو قول عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي هريرة.
وذهب إليه الحسن البصري، وحماد بن سلمة، وبه قال علي بن طلحة الوالبي، وجماعة من المفسرين ".
وفي تفسير الرازي: قال قوم: إن عذاب الكفار منقطع وله نهاية.
واستدلوا بآية سورة هود المتقدمة، وبقوله - تَعَالَى -: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) .
قال الرازي:
واستدلوا بأن معصية الظلم متناهية فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم، وهو - تَعَالَى - مبرأ من الظلم (١) .
قلت: وأخذ بالقول بفناء النار الإمام ابن القيم في كتابه (حادي الأرواح) قال: وأما أبدية النار ودوامها فقال فيها شيخ الإسلام (ابن تيمية) فيها قولان معروفان عن السلف والخلف والنزاع في ذلك معروف عن التابعين.
ثم أخذ في إقامة الأدلة على فناء النار من خمسة وعشرين وجها.
قلت: ونقلها عنه صاحب تفسير المنار
عند تفسير قوله - تَعَالَى -: (خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) .
قلت: من هذا يتبين أن القول بفناء النار قال به: طائفة من الصحابة، وطائفة من التابعين، وطائفة من علماء الحديث، وطائفة من المفسرين، وطائفة من المحققين، وكلهم له سنده من القرآن، والرواية.
ولم ينفرد به ابن القيم، كما يزعم الجاهلون.
أقول للسائلين:
هل كان عندكم هذا العلم حين سألتم عن خلود النار؟
وهل كان عندكم علم بما في كتابكم مما نقلتُ لكم بعضه عن الهاوية حتى جعلتم من الملائكة زناة!!
أما القرآن فيقول عنهم:

(١) لم يذكر المؤلف ردَّ الإمام الرازي على هذه الشبهة، ورأيه هذا لا نوافقه عليه، والذي عليه المحققون من العلماء أن الخلود في النار ليس للموحدين وإنما هو خاص بأهل الكفر ويكفي في ذلك قوله تعالى (وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧) ..
وقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧) .
وأما بخصوص الآيات في سورة هود فقد قال فيها الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
قال تعالى: ﴿خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض إِلا ما شاء رَبَّكَ﴾ وفيه مسألتان:
المسألة الأولى:
قال قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نهاية، واحتجوا بالقرآن والمعقول.
أما القرآن فآيات منها هذه الآية والاستدلال بها من وجهين: الأول: أنه تعالى قال: ﴿مَا دَامَتِ السموات والأرض﴾ دل هذا النص على أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض، ثم توافقنا على أن مدة بقاء السموات والأرض متناهية فلزم أن تكون مدة عقاب الكفار منقطعة.
الثاني: أن قوله: ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ استثناء من مدة عقابهم وذلك يدل على زوال ذلك العذاب في وقت هذا الاستثناء ومما تمسكوا به أيضًا قوله تعالى في سورة عم يتساءلون: ﴿لابثين فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢٣] بين تعالى أن لبثهم في ذلك العذاب لا يكون إلا أحقابًا معدودة.
وأما العقل فوجهان: الأول: أن معصية الكافر متناهية ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب لا نهاية له ظلم وأنه لا يجوز.
الثاني: أن ذلك العقاب ضرر خال عن النفع فيكون قبيحًا بيان خلوه عن النفع أن ذلك النفع لا يرجع إلى الله تعالى لكونه متعاليًا عن النفع والضرر ولا إلى ذلك المعاقب لأنه في حقه ضرر محض ولا إلى غيره، لأن أهل الجنة مشغولون بلذاتهم فلا فائدة لهم في الالتذاذ بالعذاب الدائم في حق غيرهم، فثبت أن ذلك العذاب ضرر خال عن جميع جهات النفع فوجب أن لا يجوز، وأما الجمهور الأعظم من الأمة، فقد اتفقوا على أن عذاب الكافر دائم وعند هذا احتاجوا إلى الجواب عن التمسك بهذه الآية.
أما قوله: ﴿خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض﴾ فذكروا عنه جوابين: الأول: قالوا المراد سموات الآخرة وأرضها.
قالوا والدليل على أن في الآخرة سماء وأرضًا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسموات﴾ [إبراهيم: ٤٨] وقوله: ﴿وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء﴾ [الزمر: ٧٤] وأيضًا لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم، وذلك هو الأرض والسموات.
ولقائل أن يقول: التشبيه إنما يحسن ويجوز إذا كان حال المشبه به معلومًا مقررًا فيشبه به غيره تأكيدًا لثبوت الحكم في المشبه ووجود السموات والأرض في الآخرة غير معلوم وبتقدير أن يكون وجوده معلومًا إلا أن بقاءها على وجه لا يفنى ألبتة غير معلوم، فإذا كان أصل وجودهما مجهولًا لأكثر الخلق ودوامهما أيضًا مجهولًا للأكثر، كان تشبيه عقاب الأشقياء به في الدوام كلامًا عديم الفائدة، أقصى ما في الباب أن يقال: لما ثبت بالقرآن وجود سموات وأرض في الآخرة وثبت دوامهما وجب الاعتراف به، وحينئذ يحسن التشبيه، إلا أنا نقول: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهل الآخرة ودوام أرضهم هو السمع، ثم السمع دل على دوام عقاب الكافر، فحينئذ الدليل الذي دل على ثبوت الحكم في الأصل حاصل بعينه في الفرع، وفي هذه الصورة أجمعوا على أن القياس ضائع والتشبيه باطل، فكذا ههنا.
والوجه الثاني: في الجواب قالوا إن العرب يعبرون عن الدوام والأبد بقولهم ما دامت السموات والأرض، ونظيره أيضًا قولهم ما اختلف الليل والنهار، وما طما البحر، وما أقام الجبل، وأنه تعالى خاطب العرب على عرفهم في كلامهم فلما ذكروا هذه الأشياء بناء على اعتقادهم أنها باقية أبد الآباد، علمنا أن هذه الألفاظ بحسب عرفهم تفيد الأبد والدوام الخالي عن الانقطاع.
ولقائل أن يقول: هل تسلمون أن قول القائل: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، يمنع من بقائها موجودة بعد فناء السموات، أو تقولون إنه لا يدل على هذا المعنى، فإن كان الأول، فالإشكال لازم، لأن النص لما دل على أنه يجب أن تكون مدة كونهم في النار مساوية لمدة بقاء السموات ويمنع من حصول بقائهم في النار بعد فناء السموات، ثم ثبت أنه لا بد من فناء السموات فعندها يلزمكم القول بانقطاع ذلك العقاب، وأما إن قلتم هذا الكلام لا يمنع بقاء كونهم في النار بعد فناء السموات والأرض، فلا حاجة بكم إلى هذا الجواب ألبتة، فثبت أن هذا الجواب على كلا التقديرين ضائع.
واعلم أن الجواب الحق عندي في هذا الباب شيء آخر، وهو أن المعهود من الآية أنه متى كانت السموات والأرض دائمتين، كان كونهم في النار باقيًا فهذا يقتضي أن كلما حصل الشرط حصل المشروط ولا يقتضي أنه إذا عدم الشرط يعدم المشروط: ألا ترى أنا نقول: إن كان هذا إنسانًا فهو حيوان.
فإن قلنا: لكنه إنسان فإنه ينتج أنه حيوان، أما إذا قلنا لكنه ليس بإنسان لم ينتج أنه ليس بحيوان، لأنه ثبت في علم المنطق أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئًا، فكذا ههنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم، فإذا قلنا لكن السموات دائمة لزم أن يكون عقابهم حاصلًا، أما إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لم يلزم عدم دوام عقابهم.
فإن قالوا: فإذا كان العقاب حاصلًا سواء بقيت السموات أو لم تبق لم يبق لهذا التشبيه فائدة؟
قلنا بل فيه أعظم الفوائد وهو أنه يدل على نفاذ ذلك العذاب دهرًا دهرًا، وزمانًا لا يحيط العقل بطوله وامتداده، فأما أنه هل يحصل له آخر أم لا فذلك يستفاد من دلائل أخر، وهذا الجواب الذي قررته جواب حق ولكنه إنما يفهمه إنسان ألف شيئًا من المعقولات.
وأما الشبهة الثانية: وهي التمسك بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ فقد ذكروا فيه أنواعًا من الأجوبة.
الوجه الأول: في الجواب وهو الذي ذكره ابن قتيبة وابن الأنباري والفراء.
قالوا هذا استثناء استثناه الله تعالى ولا يفعله ألبتة، كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك تكون على ضربه، فكذا ههنا وطولوا في تقرير هذا الجواب، وفي ضرب الأمثلة فيه، وحاصله ما ذكرناه.
ولقائل أن يقول: هذا ضعيف لأنه إذا قال: لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، معناه: لأضربنك إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، وهذا لا يدل ألبتة على أن هذه الرؤية قد حصلت أم لا بخلاف قوله: ﴿خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ فإن معناه الحكم بخلودهم فيها إلا المدة التي شاء ربك، فههنا اللفظ يدل على أن هذه المشيئة قد حصلت جزمًا، فكيف يحصل قياس هذا الكلام على ذلك الكلام.
الوجه الثاني: في الجواب أن يقال: إن كلمة ﴿إِلا﴾ ههنا وردت بمعنى: سوى.
والمعنى أنه تعالى لما قال: ﴿خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض﴾ فهم منه أنهم يكونون في النار في جميع مدة بقاء السموات والأرض في الدنيا، ثم قال سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم فذكر أولًا في خلودهم ماليس عند العرب أطول منه، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له بقوله: ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ المعنى: إلا ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها.
الوجه الثالث: في الجواب وهو أن المراد من هذا الاستثناء زمان وقوفهم في الموقف فكأنه تعالى قال فأما الذين شقوا ففي النار إلا وقت وقوفهم للمحاسبة فإنهم في ذلك الوقت لا يكونون في النار، وقال أبو بكر الأصم المراد إلا ما شاء ربك وهو حال كونهم في القبر، أو المراد إلا ما شاء ربك حال عمرهم في الدنيا وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة، والمعنى: خالدين فيها بمقدار مكثهم في الدنيا أو في البرزخ أو مقدار وقوفهم للحساب ثم يصيرون إلى النار.
الوجه الرابع: في الجواب قالوا: الاستثناء يرجع إلى قوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] وتقريره أن نقول: قوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالدين فِيهَا﴾ يفيد حصول الزفير والشهيق مع الخلود فإذا دخل الاستثناء عليه وجب أن يحصل وقت لا يحصل فيه هذا المجموع لكنه ثبت في المعقولات أنه كما ينتفي المجموع بانتفاء جميع أجزائه فكذلك ينتفي بانتفاء فرد واحد من أجزائه فإذا انتهوا آخر الأمر إلى أن يصيروا ساكنين هامدين خامدين فحينئذ لم يبق لهم زفير وشهيق فانتفى أحد أجزاء ذلك المجموع فحينئذ يصح ذلك الاستثناء من غير حاجة إلى الحكم بانقطاع كونهم في النار.
الوجه الخامس: في الجواب أن يحمل هذا الاستثناء على أن أهل العذاب لا يكونون أبدًا في النار، بل قد ينقلون إلى البرد والزمهرير وسائر أنواع العذاب وذلك يكفي في صحة هذا الاستثناء.
الوجه السادس: في الجواب قال قوم: هذا الاستثناء يفيد إخراج أهل التوحيد من النار، لأن قوله: ﴿فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِي النار﴾ يفيد أن جملة الأشقياء محكوم عليهم بهذا الحكم، ثم قوله: ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ يوجب أن لا يبقى ذلك الحكم على ذلك المجموع.
ويكفي في زوال حكم الخلود عن المجموع زواله عن بعضهم، فوجب أن لا يبقى حكم الخلود لبعض الأشقياء، ولما ثبت أن الخلود واجب للكفار وجب أن يقال: الذين زال حكم الخلود عنهم هم الفساق من أهل الصلاة، وهذا كلام قوي في هذا الباب.
فإن قيل: فهذا الوجه إنما يتعين إذا فسدت سائر الوجوه التي ذكرتموها، فما الدليل على فسادها، وأيضًا فمثل هذا الاستثناء مذكور في جانب السعداء، فإنه تعالى قال: ﴿وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِى الجنة خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض إلا مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ .
قلنا: إنا بهذا الوجه بينا أن هذه الآية لا تدل على انقطاع وعيد الكفار، ثم إذا أردنا الاستدلال بهذه الآية على صحة قولنا في أنه تعالى يخرج الفساق من أهل الصلاة من النار.
قلنا: أما حمل كلمة «إلا» على سوى فهو عدول عن الظاهر، وأما حمل الاستثناء على حال عمر الدنيا والبرزخ والموقف فبعيد أيضًا، لأن الاستثناء وقع عن الخلود في النار، ومن المعلوم أن الخلود في النار كيفية من كيفيات الحصول في النار، فقبل الحصول في النار امتنع حصول الخلود في النار، وإذا لم يحصل الخلود لم يحصل المستثنى منه وامتنع حصول الاستثناء.
وأما قوله الاستثناء عائد إلى الزفير والشهيق فهذا أيضًا ترك للظاهر، فلم يبق للآية محمل صحيح إلا هذا الذي ذكرناه، وأما قوله المراد من الاستثناء نقله من النار إلى الزمهرير.
فنقول: لو كان الأمر كذلك لوجب أن لا يحصل العذاب بالزمهرير إلا بعد انقضاء مدة السموات والأرض.
والأخبار الصحيحة دلت على أن النقل من النار إلى الزمهرير وبالعكس يحصل في كل يوم مرارًا فبطل هذا الوجه، وأما قوله إن مثل هذا الاستثناء حاصل في جانب السعداء فنقول: أجمعت الأمة على أنه يمتنع أن يقال: إن أحدًا يدخل الجنة ثم يخرج منها إلى النار، فلأجل هذا الإجماع افتقرنا فيه إلى حمل ذلك الاستثناء على أحد تلك التأويلات.
أما في هذه الآية لم يحصل هذا الإجماع، فوجب إجراؤها على ظاهرها فهذا تمام الكلام في هذه الآية. ا. هـ (مفاتيح الغيب حـ ١٨ / ٥١ - ٥٤)
والله أعلم وأحكم.

1 / 150