أخرج الإمام البخاري (٦/ ٣١ كتاب التفسير) عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان أبو طلحة أكثر النصارى بالمدينة نخلًا، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. فلما نزلت ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١) قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله، إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب أمولي إليّ (بيرحاء)، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال رسول الله ﷺ ذلك مال رايح (٢)، ذلك مال رايح، وقد سمعت ما وقلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه".
وكان أغنياء الصحابة يعرفون أنهم مستخلفون على المال الذي اكتسبوه، فإذا وجدوا ثغرة تعجز الدولة عن سدها أو لا تنتبه لها بذلوا أموالهم في سدها .. وقد ثبت في التاريخ أن عثمان ﵁ تصدق بقافلة ضخمة-ألف بعير تحمل البر والزيت والزبيب- على فقراء المسلمين عندما حلت الضائقة الاقتصادية بالمدينة المنورة في خلافة الصدَيق ﵁ وقد عرض عليه التجار خمسة أضعاف ثمنها ربحًا فقال: أعطيت أكثر من ذلك. فقالوا: من الذي أعطاك وما سبقنا إليك أحد، ونحن تجار المدينة؟ قال: إن الله أعطاني عشرة أمثالها ثم قسمها بين الفقراء المسلمين.
ومثل هذا كثير في سير المسلمين من سلفنا الصالح لذلك لم تظهر الروح
الطبقية ولم يحدث الصراع الطبقي .. ولم يتكتل الناس وفق مصالحهم
الاقتصادية لحرب من فوقهم أو تحتهم .. إن المجتمع الإسلامي لم يشهد صراع
الطبقات ولا يعرف استعلاء غني على فقير ولا حاكم على محكوم ولم يعترف ابتداء باختلاف البشر تبعًا لألوانهم وأعراقهم أو دمائهم، فالمسلمون سواسية كأسنان
(١) آل عمران آية ٩٢.
(٢) أي أن أجرها يروح ويغدو عليه (فتح الباري ٣/ ٣٢٦).