234

Al-Sīra al-nabawiyya al-ṣaḥīḥa: Muḥāwala li-taṭbīq qawāʿid al-muḥaddithīn fī naqd riwāyāt al-sīra al-nabawiyya

السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية

Publisher

مكتبة العلوم والحكم

Edition

السادسة

Publication Year

١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م

Publisher Location

المدينة المنورة

التجارة تحتاج إلى رأس المال فإن المهاجرين لم يتمكنوا من شق طريقهم في المجتمع الجديد بسهولة، وكانت مشكلة معيشتهم وسكناهم تواجه الدولة الناشئة، كما أن علائق المهاجرين بالمجتمع الجديد كانت حديثة، فقد ترك المهاجرون أهليهم ومعارفهم بمكة وأنبتت صلتهم بهم مما ولد إحساسًا بالوحشة والحنين إلى بلدتهم "مكة". إضافة إلى اختلاف مناخ مكة عن المدينة وإصابة المهاجرين بالحمى وهكذا كان وضع المهاجرين بحاجة إلى علاج سريع وحل مؤقت واستثنائي، ولم يبخل الأنصار بشيء من العون بل أبدوا من التضحية وضروب الإيثار ما استحق التخليد في كتاب الله العزيز ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
وقد بلغ كرم الأنصار حدًا عاليًا عندما اقترحوا على الرسول ﷺ أن يقسم نخلهم بينهم وبين المهاجرين لأن النخل مصدر معيشة الكثيرين منهم، على أن الرسول ﷺ طلب من الأنصار أن يقوموا بإدارة بساتين النخيل ويحتفظوا بها لأنفسهم على أن يشركوا المهاجرين في التمر (١). ولا نعرف إذا كانت الشركة في التمر محددة بنظام كالمناصفة أو المقصود قيام الأنصار بإعالة المهاجرين في تلك المرحلة، ويبدو أن الرسول ﷺ لم يشأ أن يشغل المهاجرين بالزراعة فهو يحتاجهم لمهام الدعوة والجهاد. كما أن المهاجرين (لا يعرفون العمل) كما عبر الرسول ﷺ مما يؤدي إلى خفض الإنتاج الزراعي (٢) الذي تحتاجه المدينة.
كما وهبت الأنصار لرسول الله ﷺ كل فضل في خططها، وقالوا له: إن شئت فخذ منا منازلنا. فقال لهم خيرًا، وابتنى لأصحابه في أراض وهبتها لهم الأنصار وأراض ليست ملكًا لأحد (٣).
وقد أثرت هذه المعاملة الكريمة في نفوس المهاجرين فلهجت ألسنتهم بكرم الأنصار .. عن أنس قال قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا

(١) البخاري: الصحيح ٥/ ٣٩.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٣٢٩.
(٣) البلاذري: أنساب الأشراف ١/ ٢٧٠.

1 / 242