الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله، نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعين رجلًا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب ..، وأسماء بنت عمرو ... فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه العباس ابن عبد المطلب - وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحبّ أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له - فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب "فبين أن الرسول في منعة من قومه بني هاشم ولكنه يريد الهجرة إلى المدينة، ولذلك فإن العباس يريد التأكد من حماية الأنصار له وإلا فليدعوه. فطلب الأنصار أن يتكلم رسول الله فيأخذ لنفسه ولربه ما يحب من الشروط.
"فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن، دعا إلى الله ورغَّب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.
فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق، لنمنعنَّك مما نمنع منه أُزرنا فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرًا عن كابر" فقاطعه أبو الهيثم بن التيهان متسائلًا: "يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالًا وإنا قاطعوها (يعني اليهود) فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: بل الدم بالدم والهدم بالهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم".
ثم قال: أَخْرِجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم. فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس"
وقد طلب الرسول ﷺ منهم الانصراف إلى رحالهم، وقد سمعوا الشيطان يصرخ منذرًا قريشًا، فقال العباس بن عبادة بن نضلة: والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلنَّ على أهل منى غدًا بأسيافنا.
فقال رسول الله ﷺ: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم".