وقال الليث: كتب إليّ هشام عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: رأيتُ زيد بن عمرو بن نفيل قائمًا مسندًا ظهره إِلى الكعبة يقول: يا معشر قريش، والله ما منكم على دين إِبراهيم غيري، وكان يُحيي الموءودة، يقول للرجل إِذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتُلها، أنا أكفيك مُؤْنتها، فيأخذُها فإِذا ترعرعت قال لأبيها: إِن شئت دفعتها إِليك، وإِن شئت كفيتك مؤنتها (١)!
و(زيد بن عمرو بن نفيل) هو ابن عم عمر بن الخطاب بن نفيل، ووالد سعيد بن زيد، أحد العشرة، وكان ممن طلب التوحيد، وخلع الأوثان، وجانب الشرك، لكنه مات قبل البعثة (٢)!
وهذا يبيّن مقدار الحيرة التي سادت الدنيا (٣)، وغطّت بضبابها الكثيف على الرسالات الظاهرة!
اليهود يشعرون بأنهم مطاردون في الأرض، منبوذون من أقطارها، فعلى الداخل في دينهم أن يحمل وزرًا من المقت المكتوب عليهم!
والنصارى وقع بينهم شقاق رهيب رعيب في طبيعة المسيح ووضعه، ووضع أمه، مع الإله الكبير -كما يزعمون- وقد أثار هذا الخلاف بينهم الحروب المهلكة، وقسمهم فرقًا يلعن بعضهم بعضًا!
وكان نصارى الشام الذين سألهم زيد (يعاقبة) يخالفون المذهب الرسمي لكنيسة الرومان، فلا غرابة إذا أشعروا زيدًا بما يقع عليه من عذاب لو دخل في
(١) البخاري: ٦٣ - مناقب الأنصار (٣٨٢٦ - ٣٨٢٨).
(٢) انظر: فتح الباري: ٧: ١٧٧.
(٣) فقه السيرة - الغزالي: ٨٣ بتصرف.