تضطلع بعمل جليل؛ لأن العصر كان عصر الحروب والمغامرات، والفتوة والبطولة!
وكانت قواهم العمليّة والفكريّة، ومواهبهم الفطريّة، مذخورة فيهم، لم تُستهلك في فلسفات خياليّة، وجدال عقيم (بيزنطي)، ومذاهب كلاميّة دقيقة، وحروب إقليميّة سياسيّة، فكانت أمة بكرًا، دافقة بالحياة والنشاط، والعزم والحماس!
وكانوا أمة نشأت على الهيام بالحريّة والمساواة، وحب الطبيعة والسذاجة، لم تخضع لحكومة أجنبيّة، ولم تألف الرق والعبوديّة، واستعباد الإنسان للإنسان، ولم تتمرّس الغطرسة الملوكيّة الإيرانية أو الرومانيّة، واحتقارها للإنسان والإنسانيّة، فكان الملوك في إيران -المملكة المجاورة للجزيرة- فوق مستوى الإنسان والإنسانيّة، فكان الملك إذا احتجم، أو فصد له، أو تناول دواء، كان ينادى في الناس ألا يمارس إنسان من رجال البلاط، أو سكان العاصمة عملًا، ويكفوا عن كل صناعة أو ممارسة لنشاط (١)، وإذا عطس فلا يسوغ لأحد من رعاياه أن يدعو له، وإذا دعا أن يؤمّن عليه؛ لأنه فوق مستوى البشر، وإذا زار أحدًا من وزرائه أو أمرائه في بيته كان يومًا مشهودًا خالدًا، يؤرخ به في رسائله، ويصبح تقويمًا جديدًا، ويعفى من الضريبة إلى مدّة معيّنة، ويتمتّع باستثناءات أو مسامحات وتكريمات؛ لأن الملك شرفه بالزيارة (٢)!
هذا فضلًا عن الآداب الكثيرة التي يتقيّد بها رجال البلاط، وأركان الدولة، وأفراد الشعب، ويحافظون عليها محافظة دقيقة من الوقوف بحضرته،
(١) إيران في عهد الساسانيين: ٥٣٥ - ٥٣٦.
(٢) المرجع السابق: ٥٤٣.