334

Al-Jāmiʿ al-ṣaḥīḥ li-sīrat al-nabawiyya

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

Publisher

مكتبة ابن كثير

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م

Publisher Location

الكويت

الحياة، في هذا الوادي (الصَّدْيان) لتكون الآية الإلهية أضخم من تراث التاريخ كله، في فلسفته وعلومه ومعارفه، وتجاربه وأنظمته، منذ وعى التاريخ حقيقة الحياة!
وافترّ ثغر (هاجر) عن ابتسامة الرضى، وهي ترى هذا الوادي الأجرد المقفر يجذب إليها لثامًا من الناس، كانوا يقرون به من قبل، فلا يجدون فيه أثرًا للحياة!
وشبّ إسماعيل وترعرع بين أطفال (جرهم) وشبابها عربيًّا خالصًا، ولما استوت رجوليّته أصهر فيهم إلى سيّدهم، وجاء إبراهيم خليل الله زائرًا ولده، ولقي إسماعيل أباه، وتحدثا حديث حنان الأبوة، ووَلَه البنوة، وأفضى خليل الله إلى ابنه إسماعيل بسرّ الحياة في رمال الصحراء التيَ كان قد أودعه فيها مع أمّه في هذا الوادي الأجرد، ليؤديّا أمانة الله إلى الحياة!
ونبأه بأمر الله في بناء بيته، وقد بوأه الله مكانه من الربوة الحمراء، وبنى إبراهيم وإسماعيل ﵉ (الكعبة المشرفة) بيتًا لله تعالى، ليكون رمزًا إلى الحقيقة الكبرى في الوجود .. حقيقة التوحيد في توحيد التوجه إلى الله الواحد الأحد، وتضرّع خليل الله ودعا، وأمّن إسماعيل، أن يجعل الله أفئدة من الناس تهوي إلى ذريته في جوار هذا البيت الحرام:
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم]!
وهذه ضراعة داعية تنساب من قلب خليل الله إبراهيم، لجوءًا إلى أرحم الراحمين، أن يجعل من هذا الوادي الأفْيَح المقفر اليابس، بلدًا عامرًا بذريّة

2 / 351