واجتثاثها من جذورها، بحيث لا يبقى لها عين ولا أثر، وترسيخ عقيدة التوحيد في أعماق النفس الإنسانية ترسيخًا، لا تصور فوقه، وغرس ميل إلى إرضاء الله وعبادته، وخدمة الإنسانية، وانتصار للحق، يتغلّب على كل رغبة، ويقهر كل شهوة، ويجرف بكل مقاومة .. وبالجملة الأخذ بحجز الإنسانيّة المنتحرة التي استجمعت قواها للتوثب في جحيم الدنيا والآخرة، والسلوك بها على طريق، أولُها سعادة يحظى بها العارفون المؤمنون، وآخرها جنة الخلد الذي وُعد المتقون، ولا تصوير أبلغ وأصدق من قول الله تعالى في معرض المن ببعثة محمد ﷺ!
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران]!
كذلك كانوا قبل هذه الرسالة، قبل أن يُرسل الله خاتم النبيّين ﷺ، قبل أن ينفخ الإيمان في قلوبهم فيُحييها، ويطلق فيها هذه الطاقة الضخمة من الحيويّة والحركة والتطلع والاستشراف!
كانت قلوبهم مواتًا!
وكانت أرواحهم ظلامًا!
ثم إذا قلوبهم تتفتّح للإيمان فتهتز، وإذا أرواحهم يشرق فيها النور فتضيء، ويفيض منها النور فتمشي به في الناس، تهدي الضال، وتلتقط الشارد، وتطمئن الخائف، وتحرر المستعبد، وتكشف معالم الطريق للبشر، وتعلن في الأرض ميلاد الإنسان الجديد .. الإنسان المتحرر المستنير، الإنسان الذي خرج بعبوديته لله من عبودية العبيد!