ثيوقريطس على اختلاف في الناس والزمان. والحق أني لست أذكر بهذا الشعر شاعر الرعاة وكيف يأخذ جماعة الرعاة عنده بالغناء تحت شجرة الصنوبر وفي ظلها الظليل والجنادب الداكنة تصوت وتصر والريح المثقلة برائحة الأزهار في الحقول تداعب الجفون بالسنة - لست أرى هذا في الشعر الصقلي العربي إلا إذا كانت الرائحة المنبثة في أشعار ابن حمديس وغيرها تستطيع أن تنقل قارئها إلى ذلك الجو الريفي الجميل.
ولقد طال بي الحديث عن نقد هذا الشعر حتى لاحسبني جرت عليه في التقدير ولكن ما إلى هذا قصدت، فأنا أتحدث عن الشعر الصقلي وحده، وهذا يجعل نقدي له يبدو أكبر مما هو، ولو قد نقد هذا الشعر في نطاق عام، لو قد أخذ بين الشعر العربي جميعًا لأصابة نصيبه العادل من النقد، إذ لم يكن الشعر الصقلي غريبًا بمظهره ذاك في تلك العصور وأكاد أقول ولم يكن ضعيفًا، وهؤلاء هم الشعراء الصقليون لم يموتوا في البيئات التي انتقلوا إليها حين هاجروا من وطنهم بل عاشوا إلى جانب غيرهم إن لم نقل تفوقهم عليهم، وابن حمديس وأبو العرب في الأندلس مثالان واضحان على ذلك. وأسارع فأضيف أن العوامل التي دخلت في تقديرهم لم تكن دائمًا عوامل فنية ولكنها كانت هي العوامل المؤثرة في تقدير غيرهم.