ورحت إلى غربة مرّة ... وراح إلى غربة ساجيه ولما توفيت عمته لم يؤلمه شيء بقدر ما آلمه أنها ماتت غريبة:
فيا ليتني شاهدتُ نعشك إذ مشى ... حواليه لا أهلي حفاةً ولا صحبي
ودفنك بالأيدي الغريبة والتقت ... مع الموت في إخفاء شخصك في حدب وحسبك أنه رجل لم يطمئن به جنبه في أي مكان حله، حتى إنه ليحس في الثمانين أنه غريب، وقد كان من المنتظر أن ينسيه مر الأعوام أمله بالعودة إلى الوطن، ويمهد وطنًا جديدًا، ولكن الأعوام زادت شعوره بأن الوطن في ذلك الاتجاه الواقع على مسافة كذا من حيث يسكن، وظل ينظر في تلك الوجهة إلى البقعة التي انتزع منها. رجل في الثمانين من عمره لا يزال يحس أنه غريب أي بعد مضى ست وخمسين سنة منذ أن خرج من وطنه؟ إن كان لهذا دلالة فإن معناه أن الوطن كان؟ كل شيء في حياته - وليس كثيرًا أن يكون أي أثر إلى جانبه سطحيًا، وفي سن الثمانين قال يرثى ابنته (١):
أراني غريبًا قد بكيتُ غريبةً ... كلانا مشوقٌ للموطن والأهل
بكتني وظنتْ أنني مت قبلها ... فعشت وماتت وهي محزونة - قبلي - ومن هذا الوجد الشديد تشخصت الغربة في نفسه فلم تعد معنى مجردًا هائمًا، وإنما أصبحت هي ابن حمديس، فإذا ذكرت الغربة أو دعيت أجاب:
أنا من صاح به يوم النوى ... عن مغانيه غرابٌ فاغتربْ
طفت في الآفاق حتى اكتهلت ... غربتي واحتنكت سن الأدب وتلك الغربة التي اكتهلت هي ابن حمديس الذي اكتهل.
٤ - وبقدر ما عمقت صقلية شعوره بالحزن لم تستطع أن تخلق له " مشكلة " يحاكمها ويحوم حولها ويحاول حلها، كان الحزن في حياته ذكريات متصلة وحلمًا
(١) القصيدة رقم ١٤٥.