وإلى هذا يرجع ما يجوز التمسك به، وكل مثال نذكره ففيه دليل على قبوله إذا أظهرنا وجه الرأي فيه، ويشهد على جنس ذلك أمر كلي، وهو مثال منقول عن الصحابة واشتهر بين أئمتهم وتطابقوا عليه، وذلك ما روي عن أناس لما تتابعوا في شرب الخمر واستخفوا الحد المشرع فيه، جمع عمر ﵁ الصحابة، واستشارهم واستطلع آراءهم، فضربوا فيه بسهام الرأي حتى قال علي ﵁: من شرب سكر، ومن سكر هذى، ومن هذى افترى، فأرى عليه حد المفتري١.
فأخذوا بقوله واستصوبوه واستمروا عليه، وهذه هي المصلحة المرسلة التي يجوز اتباع مثلها"٢.
وقال في موضع آخر: "فإن الفتوى بالمصلحة اجتهاد، وقد قال معاذ ﵁: "أجتهد رأيي"٣.
وقال: "وعلى الجملة المفهومة من الصحابة اتباع المعاني، والاقتصار في درك المعاني على الرأي الغالب دون اشتراط درك اليقين، فإنهم حكموا في مسائل مختلفة بمسالك متفاوتة الطرق، ومتباينة المناهج لا يجمع جميعها إلا الحكم بالرأي الأغلب والأرجح، وهو المراد بالاجتهاد الذي قرر النبي ﷺ معاذًا عليه، فعلينا أن نتبين أن هذا يفيد غلبة الرأي"٤.
فاتباع الصحابة للمعاني المأخوذة من نصوص الشرع يفيد حصول الظن الغالب بدرك الأحكام منها، وذلك هو معنى الاجتهاد الذي أقر النبي ﷺ عليه
١ أبو داود ٢/٤٧٥، ولفظه: "عن علي أن الرجل إذا شرب افترى، فأرى أن تجعله كحد الفرية".
ولفظ مسلم: عن عبد الرحمن بن عوف "أرى أن تجعلها كأخف الحدود"، صحيح مسلم ٥/١٢٥.
٢ انظر: شفاء الغليل ص ٢١١ - ٢١٢.
٣ انظر: شفاء الغليل ص ٢٢١، والحديث أخرجه أبو داود ٢/٤٧٢.
٤ انظر: شفاء الغليل ص ١٩٥.